أعتقد أن استقرار الدولة ليس انعكاساً لشكل نظامها السياسي، بقدر ما هو نتاج صلابة القواعد التي يقوم عليها ذلك النظام، وقدرته على إنتاج "انتظام عام" يحكم العلاقة بين السلطة والمجتمع.
أي حل سياسي شامل ومستدام في اليمن لا بد أن ينطلق من الاعتراف بالتعدد والتنوع، لا بوصفهما عبئاً ينبغي احتواؤه، بل كحقيقة ينبغي تنظيمها ضمن عقد سياسي
لذلك أتصور أن حجر الزاوية في أي دولة لا يكمن في تسميتها أو بنيتها الشكلية، بل في قدرتها على "فرض معنى الاستقرار" بوصفه شرطاً ضرورياً لوجودها واستمرارها.
ومن هذا المنظور، تبدو الدولة كفكرة قبل أن تكون جهازاً، وكإطار ناظم للعيش المشترك قبل أن تكون مجرد سلطة، إذ لا قيمة في تصوري لأي نظام لا يستطيع أن يحمي ذاته من التآكل الداخلي أو الاختراق الخارجي، ولا أن يضمن "الحد الأدنى من الثقة بينه وبين مواطنيه".
في الحالة اليمنية، فإن استعادة الدولة ممن انقلب عليها بقوة السلاح لا يمكن اختزالها في خطاب تعبوي، أو انفعال صاخب في مواقع التواصل الإجتماعي يصل بعضه إلى مرحلة العويل، بل هي عملية مركبة تستدعي إعادة تأسيس شاملة لوظيفة الدولة نفسها.
فالدولة لا تُبنى عبر تسويات مؤقتة أو سياسات احتواء تُراكم التناقضات بدل حلّها، كما أن إشراك عناصر من بنية "التمرد العسكري" ضمن مؤسساتها، على حساب الكفاءة والمعيار الوطني، لا يؤدي إلا إلى تعميق هشاشتها وإضعاف قدرتها على فرض النظام العام.
إنّ جوهر الدولة يكمن في وحدة مركز القرار، وفي احتكارها المشروع للقوة، وفي قدرتها على إنهاء تعددية مراكز النفوذ التي تُفرغها من مضمونها.
فالتاريخ ليس دائرة مغلقة يمكن الرجوع إليها بإرادة مجردة، بل مسار مفتوح على التحول والتعلم.
فمؤسسات الدولة، في أصلها، وُجدت لخدمة الناس، لكن هذه الوظيفة لا يمكن أن تتحقق دون استقرار سياسي حقيقي، ودون سند مجتمعي يدرك أن غياب الدولة ليس حياداً، بل فراغاً تتكاثر فيه الفوضى.
بيد أن الإشكال الأعمق في تقديري يتجاوز البنية المؤسسية إلى الوعي بالتاريخ نفسه؛ إذ لا يمكن لأي مشروع سياسي أن ينجح وهو "أسير وهم" إعادة الماضي كما كان.
فالتاريخ ليس دائرة مغلقة يمكن الرجوع إليها بإرادة مجردة، بل مسار مفتوح على التحول والتعلم، والإصرار على استدعائه بوصفه نموذجاً جاهزاً يعكس عجزاً عن قراءة تعقيدات الحاضر.
الدولة لا تُبنى عبر تسويات مؤقتة أو سياسات احتواء تُراكم التناقضات بدل حلّها، كما أن إشراك عناصر من بنية "التمرد العسكري" ضمن مؤسساتها، على حساب الكفاءة والمعيار الوطني، لا يؤدي إلا إلى تعميق هشاشتها.
وعليه؛ فإن أي حل سياسي شامل ومستدام في اليمن لا بد أن ينطلق من الاعتراف بالتعدد والتنوع، لا بوصفهما عبئاً ينبغي احتواؤه، بل كحقيقة ينبغي تنظيمها ضمن عقد سياسي واضح يؤسس لشراكة فعلية حقيقية. فرفض منطق الصوت الواحد، وترسيخ مبدأ الشراكة، ليس خياراً أخلاقياً فحسب، بل ضرورة سياسية تضمن ألا تتحول الدولة مرة أخرى إلى أداة إقصاء وتهميش، بل إلى إطار وطني جامع يعيد تعريف السياسة بوصفها إدارة للاختلاف لا إلغاءاً له.
حجر الزاوية في أي دولة لا يكمن في تسميتها أو بنيتها الشكلية، بل في قدرتها على "فرض معنى الاستقرار" بوصفه شرطاً ضرورياً لوجودها واستمرارها.





