السعودية تتحرك لكبح جماح الإمارات إقليميا بعد دعمها للانتقالي وتهريبها للزبيدي
الأخبار المحلية
تتحرّك السعودية لإنهاء دور دولة الإمارات في اليمن، وتقليص نفوذ جارتها في ساحاتٍ أخرى، بما في ذلك البحر الأحمر، مع تصاعد التوترات في إطار التنافس المزمن بين القوتين الخليجيتين.
وتسعى السعودية الآن إلى إخضاع جميع الفصائل المدعومة إماراتياً في البلد المنقسم بعمق لسيطرتها، وفقاً لشخصين مطّلعين على التطورات، وذلك بعد أن أمرت الرياض الإمارات بسحب قواتها من اليمن، وقصفت شحنة أسلحة قالت إن أبوظبي كانت توصلها إلى انفصاليين.
وتنافست الدولتان العضوان في "أوبك بلس" لسنوات على النفوذ في هذا البلد المنكوب بالحرب وذي الموقع الاستراتيجي.
وسيكون لتداعيات الخلاف بين أكبر اقتصادين في العالم العربي، وهما حليفان رئيسيان للولايات المتحدة، آثارٌ تتجاوز اليمن بكثير، إذ قد يؤثر ذلك في الجهود الرامية إلى احتواء إيران وضمان استمرار وقف إطلاق النار في غزة، كما قد يضرّ بالشركات التي تستخدم دبي مركزًا لإدارة أعمالها في السعودية.
وقال الأشخاص إن عددًا من القادة اليمنيين المرتبطين بالإمارات استُدعوا إلى الرياض لتقديم الولاء، ويشمل ذلك قادة من «المجلس الانتقالي الجنوبي» ذي النفوذ، الذي يسعى إلى ترسيخ السيادة في جنوب البلاد الواقعة عند تقاطع ممرات شحن حيوية.
وحدّد متحدث عسكري سعودي ضابطًا إماراتيًا رفيع المستوى يوم الخميس بوصفه قائد عملية لإخراج رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزبيدي، من مدينة عدن الساحلية إلى أبوظبي، ولم تُعلّق حكومة الإمارات ولا متحدث مقره أبوظبي باسم المجلس الانتقالي فورًا على المزاعم السعودية.
وكان المجلس الانتقالي قد اتهم السعودية، في اليوم السابق، بمحاولة اغتيال الزبيدي لأنه رفض أمرًا بالسفر إلى الرياض.
وقال المتحدث العسكري السعودي إن الزبيدي مُنح مهلة 48 ساعة للمثول في المملكة، وإن سلاح الجو السعودي استهدف مستودع أسلحة تابعًا للزعيم اليمني.
وتقوّض التحركات السعودية اتفاقًا قائمًا منذ أكثر من عقد مع الإمارات لمقاتلة الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن، كما أخرجت إلى العلن العلاقة المتوترة بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد.
وتقول منى يعقوبيان، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: "هذا التنافس الذي نعرفه جميعًا قديم لكن الجديد هو كيف انفجر إلى العلن، ومدى عدوانيته، وذلك لأننا نعيش لحظة تشكّل نظام جديد".
وترى السعودية، التي تنظر إلى نفسها بوصفها قائدة للعالمين العربي والإسلامي، أنها تجاهلت حتى الآن محاولات الوساطة التي قادتها دول خليجية أخرى، وتسعى إلى استغلال الأزمة لكبح طموحات الإمارات في ساحاتٍ أخرى، وفقًا لعدة أشخاص مطّلعين على الوضع، ويشمل ذلك القرن الأفريقي والسودان، حيث يدعم الطرفان معسكرين متنافسين في حربٍ أهلية وحشية أشعلت أكبر أزمة إنسانية في العالم، بحسب ما قالوه.
ويعتقد السعوديون وآخرون في مجلس التعاون الخليجي، الذي يضم البحرين والكويت وعُمان والإمارات وقطر، أن أبوظبي انتهجت أولويات اقتصادية خاصة بها على حساب المجموعة، وفقًا للأشخاص، ويشمل ذلك تحركات أحادية لتوقيع سلسلة من اتفاقيات التجارة الحرة، مثل الاتفاق الجاري التفاوض عليه مع الاتحاد الأوروبي، وتريد السعودية، على وجه الخصوص، مزيدًا من التنسيق وتبادل المعلومات الاستخباراتية، بحسب أحد الأشخاص.
وتراقب الولايات المتحدة التطورات عن كثب، فقد سعى الرئيس دونالد ترامب إلى التقارب مع كلٍّ من الإمارات والسعودية، وزار الرياض وأبوظبي خلال الأشهر الستة الأولى من ولايته، وانتزع من الجانبين تعهدات باستثمارات بمليارات الدولارات، ويشكّل البلدان ركيزتين أساسيتين في رؤية ترامب لشرق أوسطٍ مسالم تقوده التنمية الاقتصادية والاندماج الكامل مع إسرائيل.
وزار مبعوث ترامب الخاص للشؤون العربية، مسعد بولس، الشيخ محمد الخميس في أبوظبي لبحث "الاستقرار الإقليمي"، وفقًا لوسائل الإعلام الرسمية الإماراتية.
ويعتقد السعوديون أن الإمارات—وتحديدًا الشيخ محمد بن زايد—وافقت على التقدّمات الأخيرة التي حققها «المجلس الانتقالي الجنوبي» في اليمن، بوصفها انتقامًا من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، المعروف اختصارًا بـ«إم بي إس»، بسبب مناقشته دور الإمارات في السودان مع ترامب خلال زيارة للبيت الأبيض في نوفمبر، وذلك بحسب أشخاص أُطلعوا على موقف الرياض.
وقال متحدث باسم الحكومة الإماراتية: "هذا غير صحيح على الإطلاق. إن الادعاءات التي تربط التطورات في اليمن بالسودان غير دقيقة ومضللة تمامًا".
وكان خبراء من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة قد قالوا إن الإمارات تدعم "قوات الدعم السريع"، وهي جماعة مسلحة متهمة بارتكاب إبادة جماعية وتقاتل الجيش السوداني المدعوم من السعودية، والذي تُوجَّه إليه أيضًا اتهامات بارتكاب انتهاكات واسعة، وقد دأبت أبوظبي على نفي دعمها لأي طرف في الحرب.
ومن المرجّح أن تسترعي التطورات اهتمام أسواق النفط أيضًا، فقد تصادمت السعودية والإمارات في السابق بشأن طموحات أبوظبي لزيادة الإنتاج.
وستواجه العلاقات المتدهورة اختبارًا إضافيًا مع شروع «أوبك بلس» في مراجعة قدرات إنتاج الأعضاء خلال العام المقبل، وذلك في وقتٍ تضغط فيه أسعار النفط المنخفضة على أوضاع الكارتل المالية.
ومع ذلك، بذلت أبوظبي جهودًا واضحة لخفض التصعيد إذ سحبت قواتها سريعًا من اليمن بناءً على طلب الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا والمدعومة من السعودية.
وقال المتحدث باسم الإمارات إن بلاده تعاملت مع الأحداث الأخيرة في اليمن "بضبط النفس، وبالتنسيق، وبالتزامٍ مدروس بخفض التصعيد، مسترشدة بسياسة خارجية تُعلي باستمرار الاستقرار الإقليمي على حساب الأفعال الاندفاعية".
وأضاف المتحدث أن الإمارات لم تنخرط في اليمن إلا "بناءً على طلب الحكومة اليمنية الشرعية والمملكة العربية السعودية".
ولم ترد الحكومة السعودية على سلسلة من الأسئلة بشأن تحركاتها في اليمن وأي جهود لكبح دور الإمارات ونفوذها في أنحاء المنطقة.
وقد كلّف الأمير محمد بن سلمان شقيقه، وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان، بإدارة الوضع ميدانيًا في اليمن، والتقى الأمير خالد شخصيًا القادة اليمنيين المدعومين من الإمارات الذين وصلوا إلى الرياض هذا الأسبوع، ووجّه في 27 ديسمبر إنذارًا نهائيًا للانفصاليين بمغادرة محافظتي حضرموت والمهرة.
وتُعد حضرموت، التي تحدّ السعودية، بالغة الأهمية للأمن الوطني للمملكة.
ووفقًا لشخصين أُطلعا على الموقف من الجانب السعودي، حاولت الرياض في البداية إقناع الإمارات، بهدوء، بإصدار أوامر للانفصاليين بمغادرة المحافظتين قبل أن يتصاعد الوضع.
كما أوفد الأمير محمد بن سلمان وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان إلى القاهرة لحشد دعم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لتحركاته في اليمن وخططه لإنهاء الصراع في السودان.
وقد تعهّد السيسي، الذي أنقذت الإمارات اقتصاد بلاده العام الماضي بحزمة دعم بلغت 35 مليار دولار، بالتنسيق مع المملكة.
وقال فارع المسلمِي، الباحث في مركز «تشاتام هاوس» للأبحاث ومقره لندن، إن "الإمارات تبدو مُهانة ومهزومة وضعيفة، وكل ما لا تريد أن تبدو عليه"، ومع ذلك، فمن غير المرجح أن تنسحب أبوظبي من اليمن، نظرًا إلى حجم الجهود والاستثمارات التي بذلتها لترسيخ موطئ قدم لها في جنوب البلاد.
ورغم أن اليمن يفتقر إلى الموارد الطبيعية وقد دمّرته حربه الأهلية، فإن موانئه الجنوبية تحرس مدخل البحر الأحمر، وهو ممرّ ملاحي حيوي.
وأضاف المسلمِي أن أبوظبي "راهنت على عدم كفاءة السعودية" عندما دعمت تقدّمات "الانتقالي الجنوبي"، متناسية أن "شرق اليمن بالنسبة للمملكة شأنٌ من شؤونها الداخلية".
لكن، وبينما قد تكون الإمارات مستعدة للتراجع في اليمن من أجل خفض التصعيد، فإنها "لن ترضخ" لإملاءات السعودية، نظرًا إلى حقها بوصفها "قوة صاعدة" في انتهاج سياسات إقليمية خاصة بها، بحسب عبد الخالق عبد الله، الأكاديمي المقيم في دبي والباحث البارز في مركز بلفر للعلوم والشؤون الدولية بكلية كينيدي في جامعة هارفارد.
وقال عبد الله: "السعودية تقول للإمارات: أنتم في الدرجة الادنى، وأنا من يقرر، والإمارات تقول: قطعًا لا".