الإثنين، 27 يوليو 2026 | الموافق ١١ صفر ١٤٤٨ هـ
الرأي

كُلفة الاستئثار بالحُكم !!

لا مقارنة بين الإنتقالي والحوثيين

اليمن ضحية فئات لم تستطع التكيف مع ضروريات الحياة المعاصرة ونتاجاتها السياسية والمعرفية والوطنية والاقتصادية والنفعية .
فبرغم ما افرزه التاريخ من مفاهيم وقيم ومصالح ، تستوجب التعاطي معها بمسؤولية وجرأة وموضوعية ؛ إلَّا أن هذه الفئات - وهي أقلية - وقفت بصلف وعناد بوجه هذه المسائل الضرورية الجمعية .

وهذه الممانعة كلفت اليمنيين فقدانهم للدولة ، باعتبارها الكيان السياسي المنظم والمجسد لتطلعاتهم وأمالهم في وطن ينعمون فيه بحياة كريمة مستقرة خالية من الصراعات السياسية العنيفة المتواترة .

لا أتحدث هنا عن تاريخ طويل من الألم ، ومن الدم النازف، ومن الإضطهاد والاقصاء والهيمنة ؛ سأكتفي بما حدث بعد الثورتين والاستقلال والتوحد ، فما تسببت به هذه الفئات لليمنيين أفدح مما تسبب به الغزاة القادمين من وراء الحدود .

سأذكر أن الشمال بعد ثورة ٢٦ سبتمبر خاض حربًا ضروسًا دامت ثمانية أعوام بسبب أن النسخة الإمامية الأولى أرادت إسقاط الجمهورية في مهدها ، ومن أجل أن يبقى اليمنيين عبيدًا طائعين لحُكم العترة الطاهرة جينيًا .

وإدعاء بحُكم اليمن ليس له أي مصوغ قانوني أو ديمقراطي أو أخلاقي أو ديني ، مجرد إرث من الاباطيل الزائفة ، وقرونا من الإمتهان والاصطفاء والإحتقار .

فحاكم صنعاء الجمهورية خاض صراعًا مريرًا مع النظام السلالي اولًا ، ومن ثم مع النظام في الجنوب ، ومع القوى الثورية المناهضة له ، فلم يعرف الشمال استقرارا في زمن الدولتين .

والحال ينطبق على حاكم الجنوب الذي بقى ربع قرن من الزمن محاربًا في جبهات عدة داخليًا وخارجيًا . فمنذ الاستقلال عن بريطانيا في ٣٠ نوفمبر ١٩٦٧م استأثرت فئة واحدة بحُكم الجنوب ، وبمسميات واسماء عدة .

ومع هذا الأطر العمومية الأحادية في الشمال والجنوب ، ظل الصراع دائمًا بسبب فئة ورغبتها المتأصلة بالحُكم ، وباستئصال الفئات المختلفة معها بالراي ، وعزلها وملاحقتها أمنيًا دونما مصوغات قانونية أو أخلاقية أو ديمقراطية .

كان التوحد طوق نجاة للنظامين السابقين ، وكان الحدث مؤسسًا لحقبة سياسية مستقرة ، خاصة وأنه تزامن مع إعلان التعددية الحزبية كمبدأ ديمقراطي في دستور الدولة الجديدة، وكخيار لا مناص منه في الممارسة السياسية.

ومع ذا وذاك أبى الموحدين إلا أن يستأثروا بالسلطة ، النفسية الاستبدادية المتأصلة في الذات الحاكمة غير راضية بنتيجة صندوق الإنتخاب ، فكل فئة أرادت الديمقراطية وفق مقاسها الذي يبقيها مطلقة السطوة والنفوذ .

وبدلًا من أن تكون الدولة الموحدة نهاية لأزمات الفئتين الحاكمتين للشمال والجنوب ؛ كان التوحد ازمة جديدة ، لكنها أوسع وأشمل وأسوا من سابقاتها .

فمع أول اختبار حقيقي للتعددية ، كانت انتخابات ٢٧ ابريل ١٩٩٣م ، قاصمة ، إذ كشفت الممارسة عورة الاستبداد ، برزت للوجود معضلة الفئتين ، وفي رغبتهما الجامحة للإستئثار بالحُكم وبلا منتهى .

وبسبب رغبة الفئتين في الهيمنة اندلعت حرب ١٩٩٤م ، وما أن توقفت دانات السلاح بهزيمة الفئة الحاكمة للجنوب ، إلَّا وتجلت المأساة عارية ، فالحسم العسكري غالبا ودائمًا ما تكون نتائجه كارثية على المجتمع ومستقبل الدولة .

ولأن السلاح لا يولِّد غير الضغينة ورغبة الثأر والإنتقام ، فقد اتسعت الجبهات المناوئة للحاكم لتشمل شريك التوحد الذي أقصي بحرب ١٩٩٤م ، ومن ثم شركاء الحرب الذين اقصوا اثر انتخابات البرلمان ١٩٩٧م ، ومعهم الفئات المعارضة للنظامين سابقا ولاحقا .

استئثار الفئة الحاكمة بكل مقدرات الدولة العسكرية والمالية والاقتصادية والوظيفية أدى في المحصلة لأن يسود السخط والتذمر نتيجة للشعور بفقدان العدل ، وعندما تغيب العدالة يفقد الحُكم مبررات وجوده ، وتزعزع ثقة المجتمع به .

فحين بلغت الأمر حد توريث الجمهورية ، برزت نوع من المقاومة الشعبية ، وهذه المقاومة للأسف لم تأخذ بحسبانها خطورة الجماعة الحوثية ، فطالما الثورة غايتها إسقاط النظام العائلي القبلي ، فلا وقت هنا للتفكير بمآلات هذا التثوير للناس في الساحات والمدن .

جنوبًا كان هدف الحراك العدل والمساواة ، ورفض الإقصاء و التهميش ، وبسبب رفض الفئة الحاكمة التنازل عن مكاسب اعتقدت زمنا أنها حققتها بالقوة والقرابين ، دام هذا الحراك وقتا ، أخذا مسارات وأساليب وغايات متعددة .

كانت ثورة فبراير ٢٠١١م منطلقًا للتغيير السياسي السلمي ، لكنها قوبلت برفض وممانعة شرسة من الفئة الحاكمة شمالا ، ومن الفئة الطامحة بالحُكم جنوبًا ، وهذه الثنائية لا تعني بحال من الأحوال أن هذه رغبة معظم اليمنيين ، فأغلب اليمنيين رأوا في الإنتقال السياسي فرصة للتغيير ، ولقيام دولة اتحادية بمضامين وطنية عادلة .

للأسف هذه الدولة تعثرت ولادتها في اللحظات الأخيرة ، طبعا بسبب تكالب الفئات الحاكمة سابقًا ، فالجماعة الحوثية لم تخض ستة حروب من أجل دولة ديمقراطية مدنية ، بقدر ما كانت غايتها استعادة حُكم تعتقد أنه حقًا لها وبتفويض من رب السماء .

والحال ينطبق على الرئيس الأسبق وأتباعه ، فهذه الفئة تآمرت على السلطة الإنتقالية ، وبتحالفها مع خصمها الجماعة الحوثية السلالية أرادت استعادت ما تعتقد أنه نُزع منها بإنقلاب ( ثورة شعبية ) ، وبما أن غايتها الحُكم فقد عقرت الجمهورية ومبادئها ودستورها وتضحايتها ، لا لشيء غير رغبة الاستئثار بالحُكم .

الخلاصة اليمنيين إزاء فئات خارج سياق التاريخ والمصالح الجمعية ، فئات لا ترى في هذه البلاد غير ذاتها الأنانية الحاكمة دون سواها . فئات اختلفت وتنوعت طرقها وأساليبها ، لكنها متوافقة تمامًا في صميم تكوينها ورغبتها الجامحة بالاستئثار بالحُكم .

اليمن واليمنيون يستلزمهم دولة مغايرة تمامًا لسابقاتها ، دولة بمضامين عادلة تمنحهم حق إدارة وطنهم ؛ بمشاركة سياسية فعلية تمكنهم من اتخاذ القرار ، وامتلاك القوة والثروة ، ودونما وصاية أو إقصاء أو استئثار من أي فئة كانت ، جهوية أو مذهبية ، أو قبلية ، أو عرقية أو فئوية ..

محمد علي محسن