اتفق تمامًا مع ذاك الصوت الحريص الداعي إلى اصطفاف وطني يتجاوز الاصطفافات الضيقة غير الوطنية . وأعتقد أن تعدد الغايات وتناثر المكونات داخل كيان السلطة الشرعية ، قد أسهم – وبشكل كبير ومؤثر – في إضعاف هذه الشرعية، وجعلها أشبه ببنيان هشّ لا يقوى على الصمود في وجه ريح عاتية، فكيف به أن يقف في وجه عاصفة هوجاء؟
المؤسف حقًا أن المكونات المنضوية تحت لواء السلطة الشرعية، إلى جانب بعض أطراف التحالف العربي – السعودية والإمارات تحديدًا – قد تسببت مجتمعةً في صناعة حالة غير مسبوقة من الوهن والضعف والهشاشة، لمن يُفترض فيه أن يكون حادي الركب وموجهًا لمجمل العملية السياسية في اليمن . لقد تحول الحادي إلى تابع، وصار الموجه مشتت الاتجاهات، ممزق الإرادة .
وبما أننا جميعًا معنيون بدعم وإسناد أي توجه جديد يمكنه إعادة بوصلة الدولة والتحالف نحو معركة استعادة الدولة اليمنية، وإنهاء الحالة المشوهة التي قصمت ظهر الشرعية وأوهنت قواها؛ فإننا لابد أن نطوي صفحة ما حدث خلال الفترة الماضية، ونمضي قُدمًا .
وهذا الشرط – أي طي صفحة الماضي – ليس ترفًا سياسيًا، بل هو أساس جوهري لا يمكن البناء بدونه، ولا قيام لأي مشروع وطني من دونه .
فلا يمكن الحديث عن سلطة شرعية قوية ومؤثرة وفاعلة – وطنيًا وإقليميًا ودوليًا – دون وحدة القرار، ودون رؤية واضحة المعالم والغايات، ودون رئاسة واحدة تجمع الشتات، وحكومة واحدة تدير الدفة . إن تعدد الرؤوس في الجسد الواحد لا يصنع قوة، بل يورث الشلل والصراع الداخلي المستتر أو المعلن .
نعم، ينبغي أن تكون هناك سلطة سياسية واحدة، لا أقطاب متفرقة، ولا مكونات مختلفة متصادمة في غاياتها وأساليبها وخطابها . فما رأيناه خلال الفترة المنصرمة ليس تعددية سياسية صحية، بل هو فوضى قرار، وتعدد في الولاءات، وتبعثر في الرؤى .
لقد مضت سنوات ونحن إزاء كيانات متنافرة، لا جامع حقيقي لها في الواقع المعاش . إعلامها يغرّد بعيدًا عن إعلام الشرعية، وكأنه إعلام دولة أخرى . وقواتها مليشيات مسلحة تعمل خارج سياق النظام والقانون، وخارج سلطة الدولة وهيبتها .
وأجندتها السياسية مغايرة تمامًا، بل متقاطعة مع أهداف السلطة الشرعية المعبّرة عن مرحلة انتقال سياسي مدعومة بقرارات وتوافقات وطنية وإقليمية ودولية، أُطلق عليها "المرجعيات الثلاث": مقررات مؤتمر الحوار الوطني الشامل، والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.
إن مليشيات الحوثي، بانقلابها الغاشم على تلك المقررات السياسية الوطنية الجامعة، هي من تسببت بهذه الحرب العبثية، وبما نتج عنها من أزمات اقتصادية خانقة، واجتماعية مركبة، ومعيشية قاصمة، وخدمية متدهورة، وإنسانية مروعة .
ولكن، ويا للمفارقة المؤلمة، ما كان ليطول بقاء هذه المليشيات ويتمدد نفوذها لولا هذا الانقسام الحاد والعميق في صميم الشرعية ونسيجها . فالحوثية ليس بهذه القوة العسكرية الجبارة التي يصعب النيل منها عسكريًا، وإنما الفضل – إن صح التعبير – في طول عمرها وصمودها مردّه إلى الشرعية ذاتها بما تعانيه من شراكة قاتلة ومثبطة لها، ومن تناقضات داخلية تنخر في عظمها ليل نهار.
إن ما تعانيه الشرعية ليس مجرد ضعف عسكري أو اقتصادي، بل هو مأزق وجودي أعمق ؛ إنها معارك ثانوية لتغييب المشروع الوطني الجامع القادر على استيعاب التنوع اليمني دون إلغاء، وعلى تقديم رؤية للمستقبل تتجاوز حسابات اللحظة وصفقاتها .
لقد تحولت الشرعية – في وعي كثير من اليمنيين – من حامل لواء استعادة الدولة إلى فضاء لتصفية الحسابات الضيقة، وتقاسم النفوذ، والمزايدات الإقليمية.
والأخطر من ذلك، أن هذا الضعف بات مادة دعائية جاهزة في يد المليشيا الحوثية، تستخدمها ليل نهار لتثبت للبسطاء أن لا جدوى من الشرعية، وأنها كيان وهمي غير قادر على حماية نفسه، فكيف يحمي الناس؟ وهكذا تتكاثر حلقات اليأس، ويتسع الخراب.
نعم، إننا بحاجة ماسة إلى سلطة شرعية جديدة تحظى بدعم وإسناد كل الشركاء المناهضين للمليشيات الحوثية. سلطة واحدة لا تتعدد ولاءاتها، هدفها الأوحد والأسمى استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب .
سلطة واحدة... لا سلطات . جيش واحد وإعلام دولة واحد... لا جيوش وإعلامات متمردة على الدولة وخارجة عن إطارها القانوني والدستوري . سلطة واحدة قوية قادرة على إدارة شؤون الدولة من الداخل، لا سلطة منزوعة الأظافر والأيدي، عاجزة حتى عن حماية وجودها ومقرها في عاصمة البلاد المؤقتة .
إن الاصطفاف الوطني المطلوب اليوم ليس ترفًا سياسيًا، ولا هو خيار من خيارات، بل هو ضرورة وجودية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه . وهو يتطلب شجاعة أخلاقية وسياسية للاعتراف بالأخطاء، وإعادة هيكلة البيت الشرعي من الداخل، وإشراك الكفاءات الوطنية الحقيقية، بعيدًا عن حسابات المحاصصة الحزبية والمناطقية التي أثبتت فشلها الذريع .
إن استعادة الدولة لن تتحقق بشعارات وبيانات، ولا بمواقف ارتجالية، بل بمشروع وطني واضح المعالم، يستند إلى مبادئ الحكم الرشيد، والمواطنة المتساوية، والعدالة الانتقالية، ويقطع الطريق على كل المتربصين بالوطن ومقدراته.
شخصيًا، أرحب كل الترحيب بهذا الاصطفاف الوطني خلف سلطة شرعية واحدة يقودها الدكتور رشاد العليمي وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي والحكومة .
اصطفاف غايته وطنية خالصة، ومن المفترض فيه أنه فوق كل الاعتبارات السياسية والحزبية والجهوية والشخصية الضيقة . اصطفاف لا يلغي التعدد والتنوع، بل يؤطره في إطار وطني جامع مانع من العبث والاختراق.
هذا الاصطفاف الوطني غايته الأسمى استعادة الدولة اليمنية وإنهاء الانقلاب، ووضع بوصلة الدولة على مسارها الانتقالي الصحيح بمضامينه الوطنية العادلة والمنصفة لكل اليمنيين دون استثناء أو إقصاء .
سلطة شرعية واحدة غايتها النبيلة تجسيد الدولة الاتحادية الفيدرالية على أرض الواقع، دولة يتساوى فيها الجميع في الحقوق والواجبات، دولة تليق بتضحيات اليمنيين وآمالهم المشروعة .
وفي الختام، اسمحوا لي أن أقولها بصوت عال وواضح إن السفينة اليمنية تمخر عباب بحر هائج تلاطمها أمواج الانقسامات، وتتقاذفها رياح المصالح الضيقة، وتتربص بها دوائر الفوضى والعبث من كل حدب وصوب . ولن تنجو هذه السفينة بمن فيها إلا إذا توحد ربانها، واجتمع طاقمها على بوصلة واحدة، وهدف واحد، ووجهة واحدة لا تحيد عنها.
لقد آن الأوان أن نُسقط الأقنعة، وننبذ المزايدات الرخيصة، وننتصر لوطن يئن تحت وطأة الجوع والحرب والتشظي . آن الأوان أن نكون يمنيين قبل أن نكون أي شيء آخر . فالوطن الذي يتسع للجميع لا يُبنى بالشعارات الجوفاء، بل بالمواقف الشجاعة والتضحيات الصادقة.
فلنضع أيدينا في أيدي بعض، ولنمض معًا نحو يمن جديد، يمن العدالة والقانون والمؤسسات. يمن يتسع لكل أبنائه... لا يمن الأحزاب والمليشيات والمصالح الفئوية الضيقة.
أتمنى أن تكون هذه السلطة الجديدة على قدر التحدي، وعلى قدر الآمال. أتمنى أن تكون كذلك... فقد طال الانتظار، واشتدت الجراح، وأزف وقت الحقيقة .





