الأربعاء، 6 مايو 2026 | الموافق ١٨ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ
الرأي

‏من باب المندب إلى مضيق هرمز صراعات المنطقة تعيد صياغة أمن الممرات

‏حضرموت بين الحكمة والتهور ..

لم تعد الممرات البحرية في عالم اليوم مجرد خطوط ملاحة، بل تحولت إلى مفاصل حاكمة في بنية الاقتصاد الدولي،
حيث تتقاطع عندها الجغرافيا مع السياسة، وتتشابك فيها حسابات الطاقة مع موازين القوة .

في قلب هذه المعادلة، يبرز مضيقا باب المندب وهرمز بوصفهما عقدتين استراتيجيتين ،لا يمكن فصلهما، إذ يشكلان معًا نظام مترابط يُعاد عبره توزيع المخاطر والتأثير في الاستقرار الإقليمي والدولي

يعد مضيق هرمز الشريان الحيوي لصادرات النفط والغاز من الخليج ،فيما يمثل باب المندب البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، والرابط الأساسي بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس

غير أن أهميتهما لم تعد مقتصرة على عبور السفن، ولكن باتت ترتبط بالقدرة على التأثير في تدفقات الطاقة والتجارة العالمية ،ومن هنا، تحولت هذه الممرات إلى أدوات ضغط جيو اقتصادي ، حيث يكفي اي تصعيد او اضطراب محدود لإعادة تسعير المخاطر ورفع كلفة التأمين وإرباك سلاسل الإمدادات

وفي هذا السياق ، تبرز التطورات المرتبطة بإيران في مضيق هرمز بوصفها مثالًا واضح على توظيف الجغرافيا ضمن حسابات النفوذ والصراع ، فالتوترات المتكررة، والرسائل المتبادلة عبر هذا الممر الحيوي تعكس ،كيف يمكن لمضيق واحد أن يتحول إلى ساحة اختبار لإرادة الأطراف المختلفة،
وأن يؤثر في توازنات تتجاوز الإقليم إلى الاقتصاد العالمي بأسره !

ورغم تصاعد الحضور العسكري الدولي في هذه الممرات، فإن التجربة كشفت حدود المقاربة القائمة على الردع البحري وحده ،فالأساطيل قد توفر احتواءً مؤقت ، لكنها لا تعالج جذور التهديد  ،ذ إن مصدر الخلل لا ينشأ في البحر،
بل على اليابسة !!

فحين تتآكل الدولة وتضعف مؤسساتها، تتحول السواحل إلى مساحات رخوة تستغلها قوى غير نظامية، ويغدو البحر امتداداً مباشراً لغياب السيادة تضطرب الملاحة وتتسع الفوضى ،ومن هنا، تتكامل صورة باب المندب مع هرمز، ولكن من زاوية مختلفة.

فإذا كان الأول يعكس توترات القوة والنفوذ بالاقليم، فإن الثاني يجسد كلفة الفراغ وعدم الاستقرار السياسي بهذا البلد ،فاليمن منذ تراجع الدولة فيه تحول من عنصر استقرار محتمل إلى نقطة هشاشة في معادلة الأمن البحري ،وبؤرة مهددة لحرية الملاحة الدولية في ظل غياب سلطة قادرة على بسط نفوذها على السواحل والموانئ، أصبح المضيق عرضة لتداعيات وتوظيفات تتجاوز حدوده الجغرافية.

غير أن هذا الواقع لا ينبغي أن يُقرأ فقط كأزمة، بل كمدخل لإعادة تعريف المعادلة.فاستعادة الدولة في اليمن تمثل انتقالًا من منطق إدارة المخاطر إلى بناء الاستقرار.

وهي ليست ضرورة وطنية فحسب ،بل مصلحة إقليمية ودولية، لأن أمن البحر الأحمر لا يمكن أن يُبنى بصورة مستدامة، من دون وجود دولة فاعلة تضبط جغرافيتها وتعيد توظيف موقعها.

في هذا الإطار، تبرز الحاجة إلى مقاربة أشمل، تعيد الربط بين البحر والبر، وبين الجغرافيا والسيادة، فالأمن البحري، في جوهره، ليس نتاج انتشار عسكري بقدر ما هو انعكاس لوجود دول قادرة على أداء وظائفها ،والممرات الحيوية لا تؤمن بالسفن وحدها، بل بالدول التي تطل عليها وتديرها .

إن معادلة باب المندب / هرمز  تكشف بوضوح أن العالم لم يعد يتعامل مع ممرات منفصلة، بل مع منظومة مترابطة من الاختناقات المحتملة ، وأي خلل في أحد أطرافها يعيد تشكيل المخاطر في الطرف الآخر .
ولذلك، فإن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق عبر ردود الفعل، بل عبر معالجة الجذور، وإعادة بناء التوازن حيث يبدأ على اليابسة !!

 

تابع اليمني الجديد على منصة إكس