خاص +
تشهد أروقة المؤتمر الشعبي العام حالة من الجدل التنظيمي والسياسي على خلفية تباين المواقف بشأن الدعوات المطروحة لإعادة ترتيب أوضاع الحزب واستعادة مؤسساته.
ويأتي هذا الجدل في ظل انقسامات ممتدة يعيشها المؤتمر منذ سنوات، وتعدد مراكز التأثير داخله في الداخل والخارج.
وفي هذا السياق، برز تيار مؤتمري طرح مساراً مختلفاً اعتبره مراقبون رد فعل على دعوات سابقة رفعت شعار "استعادة المؤتمر الشعبي العام" وإعادة تفعيل مؤسساته التنظيمية.
غير أن مصدراً مقرباً من الرئاسة نفى وجود أي دور للرئيس رشاد العليمي في تبني هذه الدعوات أو دعمها، مؤكداً أن الرئاسة ليست طرفاً في الخلافات التنظيمية داخل الحزب.
ويقدم كل طرف من أطراف الجدل رؤيته الخاصة لمستقبل المؤتمر، مستنداً إلى تفسيرات مختلفة للشرعية التنظيمية والسياسية التي تخوله تمثيل الحزب وقيادة مساره.
ويرى بعض المتابعين أن النقاش الدائر لا يقتصر على الجوانب التنظيمية، بل يمتد إلى طبيعة العلاقة بين المؤتمر والسلطة القائمة ممثلة بمجلس القيادة الرئاسي، وما إذا كانت المرحلة الراهنة تتطلب إعادة تعريف موقع الحزب ودوره السياسي.
وفي المقابل، يوجه بعض القيادات المؤتمرية المحسوبة على التيار التقليدي القريب من الرئيس الراحل علي عبد الله صالح انتقادات لمشروع "استعادة المؤتمر"، فيما تذهب أطراف أخرى إلى اتهام الرئيس العليمي بالوقوف خلف هذه التحركات.
إلا أن مقربين من الرئاسة يرفضون هذه الاتهامات، ويؤكدون أن الرئيس ليس طرفاً في أي ترتيبات تنظيمية تخص الحزب.
وتعكس هذه المواقف المتباينة طبيعة الصراع القائم داخل المؤتمر الشعبي العام، حيث يسعى كل تيار إلى الحفاظ على موقعه وتأثيره داخل أحد أكبر الأحزاب اليمنية. ويرى مراقبون أن الخلاف يتجاوز حدود التنافس التنظيمي ليشمل التنافس على الإرث السياسي للحزب، وشكل قيادته، وآليات عمله خلال المرحلة المقبلة.
وتبدي بعض القيادات المؤتمرية تحفظات على دعوات استعادة المؤتمر، معتبرة أنها قد تفضي إلى إعادة تشكيل موازين القوى الداخلية بصورة قد تؤثر على تماسك الحزب ووحدته التنظيمية.
في المقابل، يرى مؤيدو هذه الدعوات أنها تمثل ضرورة لإعادة بناء المؤسسات الحزبية وتفعيل دورها بعد سنوات من الانقسام والتشتت.
كما يثير عدد من المؤتمريين تساؤلات بشأن أولوية التركيز على الخلافات الداخلية في وقت يواجه فيه الحزب تحديات كبيرة في مناطق سيطرة الحوثيين، من بينها القيود المفروضة على أنشطته السياسية ومؤسساته التنظيمية. ويعتبر هؤلاء أن معالجة هذه التحديات ينبغي أن تحظى باهتمام أكبر من الانشغال بالصراعات الداخلية.
ويرى فريق من المؤتمريين أن بعض القيادات التي تعارض مشاريع إعادة الترتيب التنظيمي تركز على مواجهة التحركات الجارية خارج مناطق سيطرة الحوثيين، في حين لا تبدي الموقف ذاته تجاه التغيرات التي طرأت على واقع الحزب في صنعاء.
بينما ترفض أطراف أخرى هذا الطرح، وتؤكد أن الحفاظ على وحدة المؤتمر ومؤسساته يمثل أولوية تتقدم على أي خطوات قد تؤدي إلى مزيد من الانقسام.
وفي المجمل، يبدو أن جوهر الخلاف يدور حول مستقبل المؤتمر الشعبي العام وهويته السياسية والتنظيمية. فبينما يتمسك تيار بالحفاظ على البنية التقليدية للحزب وآليات عمله المعروفة، يدعو تيار آخر إلى إعادة بناء مؤسساته وتطوير دوره بما يتلاءم مع المتغيرات السياسية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.
ويأتي هذا الجدل في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول مستقبل الأحزاب السياسية اليمنية عموماً في ظل تعثر العملية السياسية واستمرار تداعيات الحرب، وما يرافق ذلك من نقاشات حول الحاجة إلى مراجعة التجارب الحزبية السابقة وأدوار القوى السياسية المختلفة في إدارة المرحلة الماضية.
وفي إطار هذا النقاش، يرى الكاتب والصحفي أنس الخليدي أن الخلاف القائم يعكس تبايناً في تفسير الصلاحيات التنظيمية داخل المؤتمر الشعبي العام، وكذلك في فهم العلاقة بين المؤسسات الحزبية ومؤسسات الدولة. ويعتبر أن الجدل يتصل بمسألة الشرعية التنظيمية وآليات اتخاذ القرار داخل الحزب، وبطبيعة الدور الذي يفترض أن تؤديه قياداته المختلفة خلال المرحلة الحالية.
في المقابل، يرى سياسيون ومؤتمريون آخرون أن الأزمة الأساسية تكمن في استمرار حالة التشتت التي يعيشها الحزب، مؤكدين أن الأولوية ينبغي أن تكون لإعادة تفعيل مؤسساته واستعادة دوره السياسي بصورة مستقلة عن الاستقطابات القائمة.
كما أكد عدد من القيادات المؤتمرية، من بينهم وزير الخارجية الأسبق أبو بكر القربي، أن أي عملية لتفعيل الحزب يجب أن تتم وفق نظامه الداخلي وأطره التنظيمية، وبما يضمن مشاركة مختلف مكوناته بعيداً عن المصالح الشخصية أو محاولات فرض الأمر الواقع.
وكان رئيس مجلس النواب سلطان البركاني قد انتقد دعوات استعادة المؤتمر، معتبراً أنها قد تؤدي إلى مزيد من الانقسام داخل الحزب، ومشدداً على أهمية الحفاظ على وحدته وتفعيل مؤسساته من خلال الأطر التنظيمية القائمة، خصوصاً في ظل الظروف السياسية التي تمر بها البلاد.
وبين المواقف المتعارضة، يبقى المؤتمر الشعبي العام أمام تحدي إعادة بناء مؤسساته وتحديد هويته السياسية والتنظيمية في مرحلة تتسم بتحولات عميقة في المشهد اليمني، وسط استمرار الجدل حول أفضل السبل للحفاظ على وحدته واستعادة دوره في الحياة السياسية.





