لم تكن الحرب في اليمن معركة لاستعادة الدولة كما قيل، ولا ثورة لتحرير الشعب كما ادعى آخرون، بل كانت، أكبر عملية مصادرة لإرادة شعب بأكمله، وأطول موسم للمتاجرة بدمائه وآلامه!.
اثنا عشر عاما واليمن يذبح على مائدة المصالح الإيرانية السعودية. اثنا عشر عاما تتبدل فيها الشعارات، بينما تبقى الجثة نفسها ممددة على الأرض اسمها اليمن..
جاء الحوثيون بشعار مواجهة الوصاية، فإذا باليمن يدخل وصاية أشد قسوة. تحدثوا عن التحرر، فصادروا حرية اليمنيين. هتفوا باسم السيادة، بينما تحولت البلاد إلى ساحة مفتوحة لصراعات تتجاوز حدودها. تحدثوا باسم الشعب، ولم يمنحهم الشعب يوما وكالة لاحتكار قراره أو احتجاز مستقبله بقوة السلاح..
الانقلاب لم يكن مجرد إسقاط حكومة، بل كان إسقاطا لفكرة الدولة نفسها. كان إعلانا بأن البندقية أعلى من صندوق الاقتراع، وأن الجماعة أسمى من الوطن، وأن من يحمل السلاح يملك الحق في أن يصادر إرادة ملايين البشر..
وفي الجهة الأخرى، رفعت راية استعادة الشرعية، لكن السنوات كشفت أن الحرب استطاعت أن تطيل عمر المأساة أكثر مما استطاعت أن تستعيد الدولة. تمددت الجبهات، وتضاعفت المآسي، وتكاثرت الشعارات، بينما ظل اليمني ينتظر نصرا لا يأتي، ودولة لا تعود، وسلاما يتأجل كلما اقترب..
كلما اقتربت لحظة الحسم، ظهرت حسابات جديدة، ومبررات جديدة، وخطوط حمراء جديدة. وكأن المطلوب لم يكن إنهاء الحرب، بل إدارتها. لم يكن إسقاط الانقلاب، بل إبقاءه داخل سقف يسمح باستمرار التوازنات التي تخدم اللاعبين الكبار..
وفي كل مرة كانت تتعالى فيها الأصوات المطالبة بالحسم، كانت واشنطن ولندن تستحضران لغة حقوق الإنسان. اللغة التي تبدو نبيلة في ظاهرها، لكنها تفقد كثيرا من بريقها عندما يقارن الخطاب بالواقع. فمنذ سنوات يعيش اليمنيون، وفق توصيفات الأمم المتحدة، واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
ومع ذلك لم تترجم تلك المأساة إلى حماية حقيقية للإنسان اليمني، ولا إلى إنهاء سريع للحرب. وهكذا أصبح كثير من اليمنيين يرون أن حقوق الإنسان ترفع أحيانا كشعار سياسي أكثر من كونها التزاما ثابتا تجاه الإنسان نفسه..
أي لعنة هذه التي تجعل شعبا يمتلك أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وثروات معدنية ونفطية وغازية هائلة، وسواحل تمتد آلاف الكيلومترات، يعيش على المساعدات الإنسانية؟ وأي مفارقة هذه التي تجعل بلدا يستطيع أن يكون مركزا للتجارة والطاقة والاقتصاد، يتحول إلى أكبر مصنع للفقر والجوع والبطالة!.
لقد آن لهذا الشعب أن يدرك الحقيقة التي حاول الجميع إخفاءها عنه: لا الحوثيون سيبنون له الدولة، ولا الخارج سيهديه وطنا، ولا القوى الدولية تخوض معاركها من أجل عيونه. لكل طرف حساباته، ولكل عاصمة مصالحها، أما اليمن، فلم يكن بالنسبة إلى كثيرين سوى رقعة على لوحة شطرنج إقليمية ودولية..
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست فقط مع عصابات مسلحة، ولا مع خصم خارجي، بل مع ثقافة الارتهان نفسها، مع فكرة انتظار الحل من الخارج، ومع وهم أن أحدا سيحرر اليمن نيابة عن اليمنيين..
وحين يقرر اليمنيون أن تكون مرجعيتهم اليمن وحده، وأن تكون مصلحتهم الوطنية فوق كل ولاء، وأن يستعيدوا حقهم في تقرير مصيرهم بعيدا عن مشاريع الجماعات المسلحة وأجندات القوى الخارجية، عندها فقط تبدأ نهاية هذه المأساة ونجد عبد الملك الحوثي وجماعته أمام عدالة القضاء!.
ويبقى السؤال الذي يطارد الجميع:
كم حربا أخرى تحتاجها أمريكا وبريطانيا ليقتنعا بأن اليمن ليس ساحة لتصفية الحسابات، بل وطن يستحق أن يعيش؟
وكم حربا أخرى يحتاجها اليمنيون ليقتنعوا بأن هزيمة الحوثي مرهونة بقرارهم وليس قرار الآخرين؟.





