مع الإطلالة الوشيكة للعام الدراسي 2027/2026م، تتجدد الأسئلة الملحة حول مصير العملية التعليمية في البلاد، في ظل غياب تام لأي حلول جذرية تصوب الاعوجاج الهيكلي والسياسي الذي تعاني منه منظومة التعليم. هذه السياسات القاصرة ألقت بظلالها القاتمة على الركيزة الأساسية للعملية التربوية.
وهو المعلم الذي تُرك يصارع مصيره بمفرده أمام تجاهل غير مبرر من قِبل مؤسسات الدولة في الوفاء بواجباتها الدستورية والأخلاقية تجاهه.
لقد باتت مظالم المعلم واقعاً معاشاً لا يمكن غض الطرف عنه، متمثلة في ذلك الراتب الزهيد الذي يتقاضاه، والذي يضعه في أدنى السلم المعيشي والاجتماعي مقارنة ببقية شرائح المجتمع.
فكيف لمن يُفترض أن يقود مسيرة التنوير أن يستمر في أداء رسالته وهو مثقل بهموم توفير لقمة العيش؟ وكيف لروح المعلم أن تتفرغ لإنارة عقول الأجيال القادمة، وهو غارق حتى أذنه في الديون والالتزامات المالية المتراكمة التي تعجز أبسط الموارد عن تغطيتها؟
لقد أفرز هذا الواقع المزري خلال العقد الأخير ظاهرة بالغة الخطورة تمثلت في هجرة المعلمين لفصول الدراسة، بعد أن ضاقت بهم السبل وعجزت أجورهم عن تأمين أبسط مقومات البقاء.
لقد دفع شظف العيش بالكثيرين إلى ترك قاعات الدرس وسلوك مسالك شتى بحثاً عن وسائل عيش حرة تضمن لهم ولأسرهم سد الرمق وتصون كرامتهم الإنسانية، مما حرم المدارس من خبرات وطاقات وطنية يصعب تعويضها بين عشية وضحاها.
إن الإسراع في وضع معالجات جذرية وحاسمة لملف أجور المعلمين لم يعد مجرد تحسين مالي ترفيهي، بل هو ضرورة حتمية تضمن له حياة كريمة، وتعصمه عن اللجوء للبدائل الضيقة التي تسرقه من محراب العلم.
إن إكرام المعلم وتقدير جهده مادياً ومعنوياً ،ينعكس أثراً بالغ العمق والاتساع على نهضة المجتمع وإصلاحه، باعتباره الصخرة التي تتكسر عليها جهل الأجيال وتتأسس عليها مداميك تقدم الأمم.
إن التطلع إلى تعليم جيد ومخرجات علمية واعدة في ظل استمرار هذا الوضع المأساوي ،هو ضرب من الخيال والمكابرة. فالمعادلة التربوية واضحة جلية؛ لا يمكن المطالبة بعطاء مخلص وأداء مهني رفيع من إنسان ينهشه الفقر وتلاحقه الاحتياجات الأساسية.
إن ترك الأمور على ما هي عليه دون استدراك حقيقي يعني بوضوح أن المجتمع بأسره سيجني ثمار هذا الإهمال، كارثةً مريرة وعاجلة في القريب العاجل، تترجمها أجيال تفقد بوصلة المعرفة والأخلاق.
إن إنقاذ العام الدراسي القادم يبدأ حتمياً برفع الظلم الواقع على المعلم، وإعادة اعتباره المادي والمعنوي، ليكون قادراً على حمل أمانة العلم برسوخ وثبات. إن إنصاف المعلم هو طوق النجاة الأخير لإنقاذ العملية التعليمية والتربوية من هاوية الانهيار التام، واستعادة دور الوطن الريادي في بناء مستقبه.





