في الزمن الذي مضى، لم تكن لأهالي المدن الحضرية مثل عدن معرفة حقيقية بمعاناة أهل الريف ،في أوقات الشدة وطغيان الجفاف .
ولأن العيش في المدينة يعني النور والماء والطريق المعبّد، وسواها من الخدمات المتوافرة على مدى ساعات النهار والليل، فقد كانوا يضحكون، وتارة يسخرون من رفاقهم الريفيين .
كانوا يلهجون ساخرين: "شيء مطر؟!"، كأنما يسألون عن سرابٍ لا يُعقل أن يتحول إلى قضية وجود .
طبعًا ، "شيء مطر؟" سؤالٌ غالبًا ما سمعوه وقرّ في آذانهم ، وكان أول ما يعود الشخص من إجازته يسأله الجميع: "شيء مطر؟!" .
لا يسألونه: كيف صحتك؟ وكيف قضيت إجازتك؟ أو يقولون له عبارات الترحيب المفترضة، وإنما في كل مرة يبرز السؤال الاعتيادي العفوي: "شيء مطر؟!"، وكأن المطر وحده الخبر الذي يستحق أن يُحمل من مسقط الرأس، وكأن حكاية الأرض هي الحكاية الوحيدة التي تختزل كل الحكايات .
ولا لوم على من لا يعرف حياة الريف بعمقها الخفي، فالمطر لهؤلاء كينونة بقاء وخصب وخير، حياةٌ تتجدل مع حباته، وأرواحٌ تتنفس مع انهماره .
ولكن من أين لهم أن يدركوا ماذا يعني غيث السماء حقًا؟ وكيف لمن ينعم بشرب الماء من صنبور المطبخ، أو يمكنه الاستحمام ثلاث مرات في اليوم، أن يستشعر معاناة من انقطعت عنهم غيوم الصيف، وباتوا يرقبون الأفق بعيون أنهكها الترقب؟ إن المطر في وجدان الريفي ليس مجرد ماء، بل أمانٌ يهطل من عنان السماء، ووعدٌ يتجدد بأن الحياة ما زالت ممكنة .
أذكر أننا حين انتقلنا إلى عدن، كان المطر ضيفًا ثقيلًا غير مرحّب به، كان غالبًا ما يتساقط في فصل الشتاء، وعلى غير عادة ما اعتدناه في الريف . نعم، لا قيمة تُذكر له في تلك الجبال البركانية، فلا زرع ولا ضرع، فحاجة الناس تأتيهم من حقلي لحج وأبين .
وبكل تأكيد، ذاك المخزون أتى من الجبال البعيدة، من هناك حيث ينبع أهم رافدين للحياة، وادي بنا ووادي تُبن، كشريانين يضخان الخير بصمت .
وإذا كان غيث السماء يهطل بردًا وسلامًا على نفوس ظامئة وأرض عطشى، يُحيي مواتها ويُطلق أنفاسها، فإن المطر في عدن كان مجرد خراب بيوت وعبث طرقات، ومشكلات بلا حصر، وفوق ما يتسبب به يذهب سدًى وهدرًا في البحر، وكأن السماء تخطئ عنوانها كلما أمطرت هناك .
الآن تبدّلت الحالة ، وصارت الحياة في الريف أفضل بكثير من العيش في لهيب الحر والانقطاع الدائب للماء والكهرباء في عدن ؛ فعدن اليوم غير عدن الأمس، وريف الحاضر غير ريف الزمن البعيد .
وفي غمرة هذه التحولات تخلقت أزمات ومعاناة لم تكن بحسبان أكثر المتشائمين ، والمعاناة، وإن كنّا لا نحبذها، لكنها امتحان شاق يصهر النفوس، ويجعلنا أناسًا أقوياء قادرين على مواجهة قسوة الحياة وجفاف الروح قبل جفاف الجسد .
وبعد كل ما حدث، أضحى السؤال عن المطر يأتيك من عدن: "شيء مطر؟". إنه السؤال ذاته الذي طالما كان مثار دهشة وسخرية، لكنه اليوم يبرز كواقع ومأساة، ومن هناك حيثما لا ماء ولا كهرباء ولا ضحكة تملأ العيون.
ومن هناك، حيثما أضحت العيون تترقب هطول المطر بلهفة ونشوة، لم يعد في القلوب متسع للسخرية ، فليس هنالك غبطة تضاهي رؤية بكاء السماء، فحين تدمع بغزارة تصير القلوب جذلة والألسن متضرعة ، كأن في كل قطرة توبة وفي كل سحابة رحمة .
وسط الفرحة العارمة وانشغال العامة بحصاد ماء المطر، لم يعد أحد يستغرب أو يهزأ من السؤال ، فلقد صار "شيء مطر؟" بمثابة صلاة جماعية، واعتراف متأخر أن حياة الإنسان، حيثما كان، مربوطة بخيط من الغيم، وأن لا شيء يُذكر من النعم إذا غاب أصلها .
فحين تدمع السماء، تتوضأ الأرض من ذنوب الجفاف، ويتذكر الإنسان أنه مهما أوغل في مدن الأسمنت والنور، سيظل عاريًا إلا من رحمة الغيث، وسيبقى السؤال الذي يختزل الوجود كله: "شيء مطر؟"، فيكون الجواب ابتسامة مليئة بالشكر ، أو حسرة تبللها الدموع ..





