الأربعاء، 5 أغسطس 2026 | الموافق ١٩ صفر ١٤٤٨ هـ
الرأي

جيل الرماد ونصيحة صديق ..

لا مقارنة بين الإنتقالي والحوثيين

مع أي توجه يُمكّن الشباب من إدارة البلاد، لا مجرد وزارة أو محافظة، فالشباب طاقة خاملة في اليمن، ومهمة القائد الناجح استثمار هذه الكفاءات المهملة.

نهضة الأمم المتحضرة كان عمادها الشباب؛ هذه الطاقة الجبارة التي صنعت مجد أمريكا وأوروبا والصين والهند واليابان وكوريا وباكستان وغيرها . التاريخ يثبت أن كل أمة راهنت على سواعد أبنائها وعقولهم الشابة قفزت قفزات حضارية هائلة، بينما ظلت الأمم التي أحجمت عن هذه المغامرة الواثقة أسيرة التخلف والوهن .

نعم، يزخر البلد بآلاف الكفاءات الوطنية التي بمقدورها صناعة الفارق، بما لديها من مواهب ومعارف وأدوات، لكنها للأسف لم تحصل على فرصتها لإثبات وجودها، وأنها جديرة بحمل راية التغيير .

المؤسف حقًا أن هذه القوة مهدرة ومبددة بلا طائل، أو مستنزَفة في جبهات وأمكنة لا تنتمي إليها، وإنما بدافع الحاجة والفاقة لمواجهة قسوة الحياة، أو أن الكثير منها اضطر للهجرة بحثًا عن لقمة عيش وفرصة نجاة من الموت. إننا أمام خسارة مركبة؛ خسارة العقول التي ترحل، وخسارة الوطن الذي يبقى أسير الفراغ والترهل.

وهنا أجد نفسي أسأل مجلس القيادة الرئاسي والحكومة: إن أجيال الثورة والجمهورية والوحدة أضحت في عمر الستين والخمسين والأربعين، دون أن تتاح لها الفرصة في شغل الوظائف العليا والوسطى، والدنيا أحيانًا كثيرة.

فأولئك القلة القليلة الذين عُيّنوا وزراء وسفراء ومحافظين ورؤساء مؤسسات وهيئات، أو قادة جيش وأمن، أوصلتهم الصدفة أو المحسوبية أو المحاصصة الحزبية المعتادة، وهذا يؤكد أننا نعيش في حلقة مفرغة تعيد إنتاج الفشل، وكأن التاريخ يقف في مكانه لا يتعلم من دروسه.

لطالما قلت ورددت بأن جيل النار احتكر الوظيفة العامة، تاركًا لأجيال الثورة والوحدة رمادًا يُعمي البصيرة ويُغشيها؛ كأن الوطن أصبح إرثًا خاصًا يتقاسمه من تشبثوا بكراسيهم، متناسين أن الدولة كائن حي يتجدد بتجدد كفاءاته.

الوظيفة العامة ليست غنيمة أو عطية تُمنح للقريب والانتهازي والمنافق، أو لشراء الموالين، وإنما هي ملك عام لا يجوز التفريط فيه، وعلى هذه الشاكلة المفزعة المنتهكة لأبسط قواعد القانون والنظام والأخلاق والعدالة.
إن التلاعب بهذا الملك العام ليس مجرد خطأ إداري، بقدر ما هو تفريط بسيادة الدولة نفسها، ووأد لطموحات شعب يبحث عن بصيص أمل.

أغلب سفراء اليمن تجاوزوا حدّ الأجلين، ومنهم من بلغ من العمر عُتِيًّا، وهؤلاء في هذا العمر لم ولن يقدموا شيئًا لوطنهم وشعبهم . لقد استُنزفت طاقتهم منذ زمن بعيد، وبات وجودهم مُضرًا بالدولة وبالكفاءات المعطَّلة التي لم تحصل على فرصتها . السفير الذي لا يحمل قضية بلاده في قلبه وعقله، ولا يمتلك حيوية التواصل والتأثير، يتحول إلى تمثال شمعي في واجهة لا روح فيها.

لقد أحسنت القيادة والحكومة في اختيار وزراء ومحافظين ورؤساء مؤسسات ومصالح حكومية، لكن ذلك لا يكفي، إذ ينبغي أن يتم تمكين الشباب من أغلب الإدارات.

وعندما أتحدث عن الشباب، فربما ظن البعض أنها فئة معينة تفتقر للأهلية والخبرة، وهذه معلومة يجب معرفتها؛ فالشباب وفق تصنيف منظمة الصحة واليونيسف والجامعات ومراكز البحوث والدراسات هم الفئة العمرية ما بين 20 - 65 عامًا، ما يعني أنها الشريحة الواسعة والغالبة والأكثر فاعلية وتأثيرًا.

الشباب ليسوا مجرد أرقام في هرم الأعمار، بل هم مخزون الخبرة المتراكمة والعطاء المتجدد، يجمعون حيوية البدايات وحكمة التجارب.

وأذكر هنا أن رئيس وزراء بريطانيا "أنتوني إيدن"، زعيم حزب العمال، زار مصر بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت البلاد تعيش غليانًا شعبيًا بين القوى الوطنية والقصر. وكان نظيره المصري آنذاك مواليًا للملك فاروق وللإنجليز، فقام الأخير بحماسة فائضة بعرض ما اتخذته وزارة الخدمة المدنية من إجراءات عقابية طالت الكثير من شاغلي الوظيفة العامة المؤيدين لحزب الوفد وحكومته.

ففزع إيدن مما سمعه، وقال ناصحًا: "الخدمة المدنية تعد العمود الفقري للدولة، وفعلكم لا يضر المعارضة بقدر ما يصيب أهم جهاز في الدولة، ولهذا أنصحكم كصديق ألا تفعلوا ذلك". في هذا الدرس البليغ ما يغنينا عن كثير من الخطابات، فعندما تُضرب الخدمة المدنية في مقتل، فإن الدولة كلها تترنح، والمؤسسات تتحول إلى هياكل فارغة.

تعيينات الانتقالي جلبت له سخط الشارع وغضبه، ونجدها تتكرر الآن من السلطة الشرعية، وكأنك يا بوزيد لا سرت ولا جيت . صحيح أن الواقع كثيرًا ما يفرض شروطه على صاحب القرار، ولكن لا تصل المسألة حد الانتهاك الصارخ لقواعد ونظم وقوانين الدولة. مأساتنا أننا ندور في فلك المحاصصة نفسها، نغير وندور الوجوه ونبقي على منطق التقسيم والغنيمة .

من حق الرئاسة التعيين في المناصب الرفيعة كالوزراء والسفراء والمحافظين، وهي وحدها مسؤولة عن إخفاق من منحتهم الثقة.

لكن عندما يتعلق الأمر بمناصب عسكرية أو أمنية أو قضائية أو تعليمية أو صحية أو إدارية، فهذه مناصب لها ضوابطها وتقاليدها المتعارف عليها وطنيًا ودوليًا، فلا يمكن لدولة جادة أن تتعامل مع هذه المواقع الحيوية كأوراق لعب توزع في صفقات سياسية هشة.

المخيف أن يُعيَّن شيخ أو داعية ديني قائدًا لمحور عسكري أو مديرًا للأمن، وهنا يتوجب رفض هذا الانزلاق، كي لا نجد أنفسنا غدًا وقد قضينا على مؤسسات الدولة بانتهاك القواعد والأسس التي بُنيت عليها. السماح بهذا العبث هو إعلان إفلاس للمعايير، وشهادة وفاة مبكرة للدولة القادرة على حماية مواطنيها.

حقيقة، ما زلت حائرًا من تكرار الأخطاء الفظيعة التي حصلت خلال سنوات ما بعد 2015م، وهي الأخطاء نفسها التي أفضت إلى زوال أصحابها، باستثناء القلة القليلة التي يُراد لها الآن التمكين . وكأن التاريخ يعيد نفسه، ونحن نقف متفرجين، لا نحرك ساكنًا لوقف النزيف.

أسأل الأشقاء بصدق وتجرد: هل يمكنكم تعيين دعاة ووعّاظ على ألوية ومحاور عسكرية، أو في مناصب قيادية أمنية؟!

للأسف الشديد، قوات درع الوطن والأمن الوطني وقوات العمالقة وغيرها، أضحت التعيينات فيها مهزلة.

فهذه التعيينات معيبة وقاتلة لأسس الأنظمة والقوانين العسكرية، فالجيوش لا تُبنى بالخطب والمواعظ وحدها، بل بالعلم العسكري والانضباط الصارم واحترام التسلسل القيادي .
نعم، لا خلاف على الأسماء والأشخاص من الناحية الأخلاقية والوطنية، لكنهم ليسوا مؤهلين البتة لقيادة فصيلة في الجيش أو لمركز شرطة.

ومع كامل تقديري لمشايخ ووعاظ السلفية، ولإخلاصهم وتضحياتهم الجسام في مواجهة المليشيات الحوثية، إلا أن كل ذلك لا يمنع من قول كلمة حق، إذ أن أقصى وظيفة لهؤلاء هي وظيفة واعظ أو خطيب جامع، أو حتى وكيل في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، أما أن يكونوا قادة مناطق أو ألوية أو محاور، فلعمري إنها كارثة وطنية، التقدير للرجال لا يعني منحهم ما لا يحسنونه، فالإنصاف الحقيقي أن يوضع كل إنسان في موضعه الصحيح.

نعم، أسأل ثانية: هل ستقبل الشقيقة السعودية أو أختها الإمارات بتعيين واعظ أو خطيب في منصب قائد سرية أو كتيبة، ولا أقول قائد منطقة أو محور؟!

وهل يقبل الأشقاء بإقصاء ضباط وقادة درسوا وتعلموا وخبروا مختلف العتاد العسكري، بدءًا من الرصاصة وحتى الطائرة والصاروخ؟! لقد بنت تلك الدول جيوشها على التخصص والاحترافية، واحترمت العقلية المؤسسية فبلغت ما بلغته من قوة وهيبة وتقاليد .

أقولها صريحة مدوية إنه وما لم ننتشل عقلياتنا من مستنقع المحاصصة والمحسوبية، ونؤمن إيمانًا راسخًا بأن الشباب المؤهل هو قاطرة الإنقاذ الحقيقية، فسنبقى أسرى لشيخوخة فكرية وإدارية تخنق كل بارقة أمل.

الكفاءات اليمنية لا ينقصها شيء سوى الثقة والفرصة، فإن منحناهما إياها اليوم، صنعنا الغد الذي يليق بتضحيات شعبنا ، وإن ظللنا ندير ظهورنا للمواهب، ونحمّل غير المؤهلين أمانة هي أكبر منهم، فسنحفر بأيدينا قبر الدولة التي ننادي بها.

آن الأوان أن تكون الوظيفة العامة تكليفًا لا تشريفًا، وميدانًا للكفاءة لا ساحة للولاءات العمياء، فإما أن ننتصر لهذا المبدأ الآن، أو أن ندفع ثمن التفريط فيه أجيالًا قادمة، ولن يكون الثمن حينها مجرد منصب ضائع، وإنما وطن بأسره قد ضاع.