ليست قيمة الشخصية السياسية فيما تشغله من مناصب، وإنما فيما تستطيع ان يصنعه من اثر يتجاوز حدود تلك المناصب، فالمنصب سلطة مؤقتة أما التأثير فهو رأسمال اجتماعي وسياسي ،يتراكم عبر الزمن ولا يمكن فرضه بقرار او انتزاعه بقوة النفوذ
ومن هذه الزاوية يمكن فهم ظاهرة شائع محسن الزنداني، فالقبول الواسع الذي يحظى به لم يكن نتيجة انتماء حزبي او اصطفاف سياسي، بقدر ما هو نتيجة تراكم طويل من الثقة الشخصية، والثقة في علم الاجتماع السياسي ليست شعوراً عابرا بل رصيداً يبنى من خلال اتساق السلوك والقدرة على التواصل واحترام الاخر والاستقرار في المواقف الكبرى.
ولهذا يصعب تفسير امتداد حضوره بين مؤيديه وخصومه بمنطق القوة السياسية وحدها ،فالقوة التنظيمية تستطيع ان تنتج اتباعاً لكنها لا تنتج بالضرورة احتراماً عاماُ أما الأحترام العابر للانقسامات والتشظي، فلا ينشأ الا عندما تلتقي في الشخصية، خصال تجعل المختلفين قادرين على الفصل بين موقفهم السياسي منها وتقديرهم الانساني لها.
وفي المجتمعات المنقسمة تصبح القدرة على بناء الجسور قيمة سياسية بحد ذاتها ،فالقائد الذي يحسن إدارة العلاقات الانسانية يمتلك مورداً شخصياً لا يقل أهمية عن السلطة او المال، لآن السياسة في جوهرها ليست ادارة للمؤسسات فحسب ،بل ايضاً ادارة للثقة بين البشر ،ولهذا فإن الشخصيات التي تنجح في الحفاظ على شبكة واسعة من العلاقات الايجابية رغم تغير المواقع والظروف، تكشف عن امتلاكها لخصائص تتجاوز المهارة الادارية الى الكفاءة الاجتماعية
ومن هنا تبدو شخصية شائع محسن الزنداني، إقرب إلى نموذج القيادة المدنية التي تستمد قوتها من الرصيد المعنوي، أكثر مما تستمدها من أدوات السلطة فالود والاتزان والقدرة على الانصات، والخبرة الدبلوماسية والثقافة السياسية ليست صفات متجاورة ،بل منظومة واحدة تنتج ما يسميه علماء الاجتماع السلطة الرمزية ;وهي سلطة لا تفرض بالاكراه وانما تمنح طواعية من المجتمع.
ولعل هذا هو السبب في أن حضوره لا يقاس بعدد المنتمين الى تيار سياسي بعينه أو جهه أومنكقه أو فصيل، بل باتساع دائرة من يثقون به أو يحترمونه حتى وان اختلفوا معه، فحين تتجاوز الشخصية حدود الاصطفاف الحزبي ،فإنها تغدو ظاهرة اجتماعية قبل ان تكون حالة سياسية ،ويصبح تإثيرها نتاجاً لتراكم اخلاقي وانساني وفكري ،لا مجرد انعكاس للموقع الذي تشغله





