الجمعة، 7 أغسطس 2026 | الموافق ٢٢ صفر ١٤٤٨ هـ
الرأي

من لا يملك أثيرَه لا يملك وطنَه !

لا مقارنة بين الإنتقالي والحوثيين

منذ عشرة أعوامٍ ونيف، ونحن نناشد السلطة الشرعية وندعوها إلى اتخاذ إجراءاتٍ فعليةٍ وحاسمةٍ إزاء سيطرة الميليشيات الحوثية على أهم شريان حياةٍ للدولة، ألا وهو قطاع الاتصالات؛ ذلك القطاع الذي يمثل عصب السيادة الوطنية، وأداةً محوريةً في إدارة الاقتصاد والموارد والمعاملات المالية والمعلوماتية، بل بوابةَ الأمن القومي برمّته.

غير أن تلك الصرخات، للأسف الشديد، قوبلت بآذانٍ صمّاء، بل وفُهمت بتفسيراتٍ خاطئةٍ وخبيثة، وكأنها دعوةٌ إلى "انسلاخ الجنوب" – هكذا زيّفها المُضلّلون – . وفي المقابل، رفض آخرون مجرد مزاولة شبكة "سبأفون" لعملها في عدن، معتبرين ذلك تهديدًا لمشروع استعادة الدولة الجنوبية.

وبين هذين الموقفين المتناقضين، ضاعت الحقيقة ؛ فالمستفيد الوحيد كان الميليشيا الحوثية التي ظلّت – وما تزال – مستأثرةً بقطاعٍ اقتصادي وتقني وسيادي وعسكري ومالي، يدرّ عليها المليارات، ويمكّنها من الإحكام على مفاصل الدولة الحيوية: من البنوك، وشركات الصرافة، والطيران، مرورًا بالمهاتفات والإنترنت، وصولًا إلى أنظمة المراقبة والتجسس.

واليوم فقط، وبعد خراب البلاد ، استيقظ الجميع على الحقيقة المُرّة؛ بعد أن نفّذت الميليشيات عمليات اغتيالٍ ممنهجة طالت المئات من قادةً ومسؤولين وإعلاميين وضباط وجنود ، مستخدمةً شرائح الهاتف لتعقّب تحركات ضحاياها وتصفيتهم، وآخرهم القائد الشهيد أسامة الردفاني ، قبل اسبوع فقط من ضربات البارحة واليوم .

ناهيك عن الشلل التام الذي أصاب شبكات الاتصالات في مأرب وحضرموت، فكشف عن هشاشة الوضع الذي طالما حذّرنا منه.

نعم، لقد وجّه وزير الاتصالات اليوم الفرقَ الفنية باستكمال عمليات ربط الكيبلات الاحتياطية، وتسخير جميع الإمكانات الفنية والكوادر المتخصصة لتعزيز جاهزية الشبكات البديلة، وفي مقدمتها شبكة "عدن نت"، وإعادة تفعيل شبكة "سبأفون" المستقلة بصورة استثنائية في كافة المناطق المحررة، إلى جانب خدمات "ستارلينك" وسنترالات الهاتف الثابت، بما يضمن سرعة الاستجابة لأي طارئ، ويحفظ استمرارية الخدمة.

وشدّد الوزير على أهمية تطوير بدائل فنية فعّالة، وتعزيز جاهزية البنية التحتية لقطاع الاتصالات، ضمانًا لاستدامة خدمات الاتصالات والإنترنت، وقدرةً على التعامل السريع مع أي محاولات تعطيل أو فصل، حفاظًا على استقرار الخدمة للمواطنين في شتى المناطق المحررة.

ولكن ها نحن، بعد أحد عشر عامًا من الحرب، نجد الوزير والحكومة والرئاسة في وضعيةٍ صعبةٍ ما كانوا ليتمنّوها؛ إذ نسمع الوزير يؤكد – بتوسّلٍ مكشوف – أن "أي إجراءات تستهدف تعطيل أو قطع خدمات الاتصالات من قبل جماعة الحوثي تمثل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي، وترقى إلى جريمة حرب، لما تنطوي عليه من استهداف لحق المواطنين في الوصول إلى خدمات الاتصالات، وما يترتب عليها من آثار مباشرة على الخدمات الأساسية ومختلف جوانب الحياة".

فيا للهول ! كأنه يستجديهم، أو كأنه يحذّرهم بلغة القانون الدولي الإنساني فيما هم جماعة إرهابية عنصرية لا تفقه لغة الحقوق ولا تؤمن بالقانون، ولا يردعها إلا منطق القوة والعقاب الرادع.

إنها لمفارقةٌ موجعة أن تستجدي الدولة الشرعية من مغتصبيها، وأن تلوّح بالقانون في وجه من لا يعرفون إلا لغة الحديد والنار .

نعم، لقد أيقظتنا الضربات المتتالية والدماء المسفوحة، وشبكات الاتصالات التي تحوّلت إلى أدوات اغتيال، أيقظتنا على حقيقةٍ واحدة وهي أن استعادة القرار السيادي في الاتصالات ليس رفاهيةً سياسية، ولا تفصيلةً تقنية، بقدر ما هو معركة وجودٍ وتحرر .

فحين تمتلك الميليشيات أذنَ الدولة وعينَها ونبضَها الرقمي، فمن السذاجة أن نظنّ أنفسنا في مأمن . فهل آن الأوان كي تستيقظ الشرعية وتبني سياجَها الرقمي بيدها، لا أن تنتظر إذنَ سيد الكهف أو شفقته؟ فمن لا يمتلك أثيرَه لا يمتلك وطنَه .

فلا وألف لا لهذه الحالة المخزية ! ولننفض عن كواهلنا أوهام الترقيع والمسكنات، فإما سيادة رقمية كاملة، وإما اغتيالات وضربات متجددة وحرب بلا منتهى ..