قال محمود درويش (للحقيقة وجهان )لكن المشكلة ليست في وجود وجهين بل في السؤال الأشد قسوة من يمتلك القوة التي تجعل وجهًا واحدًا يبدو بعد سنوات من الان وكأنه الحقيقة الوحيدة فالتاريخ في المجتمعات التي أنهكتها الحروب لا يكتب بعد انتهاء المعركة فقط بل يبدأ أحيانًا أثناءها وكل طرف يقاتل على الجغرافيا يقاتل في الوقت نفسه على تفسيرها وعلى تعريف الضحية والجلاد وعلى تحديد اللحظة التي بدأ منها الخراب ولهذا فإن الصراع اليمني ليس صراعًا على السلطة وحدها إنه صراع على من يملك حق تعريف الماضي
منذ التمرد الحوثي الأول في صعدة عام 2004 ثم الحروب المتعاقبة وصولًا إلى إسقاط صنعاء ومؤسسات الدولة دخل اليمن في مسار لم يكن هدف الحوثي السيطرة على الدولة فحسب بل إعادة تعريف الدولة والمجتمع والتاريخ من داخل منظومة أيديولوجية سلاليه ذمغلقة فالسلطة التي تسيطر على الأرض تستطيع أن تفرض قانونها لكن السلطة التي تسيطر على التعليم والإعلام تستطيع أن تفعل شيئًا أخطر أن تعيد إنتاج تفسيرها للواقع داخل وعي الأجيال وهنا يتحول السلاح من أداة للسيطرة على الحاضر إلى أداة لصناعة الماضي
فالطفل الذي يتعلم أن سقوط الدولة كان انتصارًا وأن الحرب كانت مواجهة للعدوان وأن الجماعة الحوثيه المسلحة كانت حامية للوطن لا يتلقى معلومات عن الماضي فقط بل يتلقى إطارًا جاهزًا لفهمه وهذه هي أخطر وظائف السلطة السلاليه الأيديولوجية ألا تكتفي بإجبار الناس على الصمت بل أن تجعلهم مع مرور الزمن عاجزين عن تصور الماضي خارج اللغة التي صنعتها السلطة
من هذه الزاوية يصبح الإعلام أكثر من مهنة الإعلام في زمن الحرب مؤسسة لإنتاج الذاكرة والمدرسة مؤسسة لإعادة إنتاجها والمنبر السياسي مؤسسة لمنحها الشرعية والأرشيف هو المكان الذي يمكن أن تقاوم فيه الوثيقة هذه المؤسسات جميعًا لذلك فإن المعركة على اليمن ليست فقط بين روايتين سياسيتين إنها بين الوثيقة والدعاية وبين الذاكرة والسلطة الحوثيه وبين الحقيقة التي حدثت والرواية التي يراد لها أن تحل محلها
التاريخ ليس محكمة أخلاقية ولا نشرة انتصار إنه محاولة لإعادة بناء ما حدث من خلال الوثيقة والشهادة ،والقرائن ومساءلة الروايات المتنافسة وإخضاعها للبحث والنقد ،ولهذا فإن مواجهة الرواية الحوثية لا تكون بإنتاج رواية دعائية مضادة، فالرواية المضادة ليست تاريخًا المطلوب هو تحرير الحقيقة من جميع السلطات
لقد أثبتت التجربة اليمنية أن السيطرة على المؤسسات تعني السيطرة على تعريف الواقع، فالسلطة التي تمتلك وزارة التربية تحدد ما يتعلمه الطفل، والسلطة التي تمتلك الإعلام تحدد ما يسمعه المواطن ،والسلطة التي تمتلك الأمن تحدد ما يخشاه المواطن، وعندما تجتمع هذه السلطات في يد قوة واحدة يصبح المجتمع أمام عملية متكاملة لإعادة هندسة الوعي، وهنا لا يعود السؤال ماذا حدث بل يصبح السؤال من سيملك حق القول ماذا حدث وهذا هو جوهر الصراع
مأساة اليمن ليست فقط في الأرواح التي أزهقت ولا في المدن التي دمرت ولا في الملايين الذين دفعوا ثمن الحرب، بل في أن يموت الإنسان مرتين ؛ مرة حين يقتل جسده ومرة حين يقتل معنى موته ،فالضحية التي تمحى من السجل أو يعاد تعريفها باعتبارها خائنًا أو مرتزقًا لا يقتل جسدها فقط، بل يقتل موقعها في الذاكرة العامة وهنا تصبح كتابة التاريخ فعل مقاومة مقاومة للنسيان
لقد كشفت التجربة اليمنيه أن الشعب لا ينتصر بمجرد إسقاط جماعة الحوثي ،كما أن الجماعه لا تنتصر بمجرد بقائها مسيطره ،هناك معركة ثالثة تبدأ بعد ذلك كله من سيكتب ماذا حدث.
ومن هنا تأتي أهمية الصحفي والحقوقي والباحث والشاهد، إنهم يمنعون الحوثي من احتكار المستقبل عبر احتكار الماضي، فالوثيقة التي تحفظ اليوم قد تصبح بعد عشرين عامًا دليلًا في محكمة والشهادة التي تسجل اليوم ،قد تصبح بعد جيل مصدرًا لفهم لحظة كاملة والصورة التي تبدو مشهدًا عابرًا، و قد تتحول لاحقًا إلى وثيقة تنسف رواية سياسية كاملة
ومن الخطأ الاعتقاد أن انتصار جماعة مسلحة في لحظة تاريخية يعني انتصار روايتها إلى الأبد، فالتاريخ أطول عمرًا من المليشيا ،فالإمبراطوريات سقطت والأنظمة تغيرت والحدود تحركت، لكن الوقائع الكبرى لا تختفي بسهولة ،قد تتأخر العدالة وقد تتبدل الروايات ،لكن الوثائق تظل قادرة على العودة عندما تتغير موازين القوة.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس هل يستطيع الحوثيون فرض روايتهم اليوم، بل هل يستطيعون فرضها إلى الأبد، وهنا يصبح الجواب أقل يقينًا ،لأن السلطة اي سلطه تتحكم في الحاضر لكنها لا تستطيع ضمان المستقبل
من وحهة نظري اليمن يحتاج إلى مشروع يتجاوز مفهوم التوثيق ،يحتاج إلى ذاكرة وطنية ذاكرة تقوم على قاعدة بسيطة لا أحد فوق ،الحقيقة لا الحوثي ولا الحكومة ولا الحزب ولا القبيلة ولا المؤسسة العسكرية، ولا القوى الإقليمية ولا المجتمع الدولي، ولا حتى الضحية نفسها.
فالحقيقة لا تصبح حقيقة لأنها تخدم قضيتنا ،بل لأنها تصمد أمام الفحص وهذا هو الفارق بين التاريخ والدعاية.
اليمن اليوم لا يحتاج فقط إلى إسقاط جماعة سلاليه وحسب، بل إلى منع السلاله من أن تعيد كتابة نفسها في عقول أبنائه ،يحتاج إلى أرشيف وطني مستقل وإلى حفظ شهادات الضحايا وتوثيق الانتهاكات ورقمنة الوثائق، وحماية الصحفيين والباحثين وإتاحة المواد للأجيال القادمة ،وإنشاء مساحات بحثية تفصل بين الوثيقة والرواية و الواقعة والتفسير.
فالمصالحة التي تقوم على النسيان ليست مصالحة، والسلام الذي يطلب من الضحية أن ينسى دون أن تعرف الحقيقة، ليس سلامًا كاملًا والتاريخ، الذي يكتبه المنتصر وحده ليس تاريخًا إنه امتداد للمعركة بأدوات أخرى...





