مع حلول ذكرى المولد النبوي كل عام، يتكرر المشهد نفسه بدقة. بلدوزرات تجتاح الشوارع الرئيسية، وميزانيات طارئة تُرصد للقطرنة، وزينة تُعلق على عجل. وفي المقابل، وعلى بعد أمتار، تقف طوابير الغاز والدقيق، ويقف الموظفون بلا رواتب، وتنهار الخدمات الأساسية.
إنه المشهد الذي يلخص عقداً كاملاً من الحكم: صخب في الشكل، وخواء في المضمون أنه اللون الأخضر لإخفاء السواد.
السؤال الذي يفرض نفسه على الحوثي: هل تريد من هذا اللون ألاخضر أن يخفي سواد الواقع الذي صنعته؟ أم تريد أن تقنع الناس أن الاحتفال بالمظاهر أهم من جوهر الدين؟
فالشارع الذي يُقطرن فجأة ليس مشروع تنمية، بل رسالة سياسية. رسالة تقول نحن نبني بينما كل شيء آخر يتهدم.
حصيلة عشر سنوات: ماذا قدم وماذا أخذ؟
إذا وضعنا الميزان، فالخلاصة واضحة:ما قدمه الحوثي:
مشاريع موسمية: قطرنة شوارع قبل المناسبات وحملات إعلامية ،خطابات وشعارات لا تنتهي ،برامج تجنيد وتعبئة مستمرة.
وما أخذه من الشعب ،الراتب: موظف الدولة بلا راتب لسنوات ، والخدمات: كهرباء منعدمة، وماء شحيح، ودواء مفقود، وتعليم منهار ،الحرية: قمع للرأي، واعتقالات، وجبايات لا تتوقف ،المستقبل: جيل كامل خارج المدرسة، وعقول تهاجر بحثاً عن وطن بديل.
السؤال هنا: بأي منطق تقدم خضرنة الأسفلت على الإنسان؟ وبأي ميزان يصبح دهان الرصيف أولى من كيس الدقيق؟
أين الحوثي من هدي من يحتفل بمولده؟
الاحتفال بالمولد النبوي مناسبة للعودة إلى الجوهر. فماذا طبّق المشروع الحوثي من سيرة النبي ﷺ؟
الرسول كان "رحمة للعالمين"، فأين الرحمة في تجويع الناس وقطع أرزاقهم؟ الرسول قال "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"، فأين المسؤولية عن الجائع والمريض؟
الرسول بنى دولة بالعدل والعلم، فأين العدل في ازدواجية القانون، وأين العلم في تسييس الجامعات؟
الرسول كان أبعد الناس عن التبذير والمظاهر، فلماذا يتحول الدين إلى مهرجانات وزينة ومواكب بينما الناس لا تجد قوت يومها؟
نقول للحوثي: إذا كنتم تحتفلون بمولده، فأين أنتم من أخلاقه؟ هل يكفي أن نرفع اسمه على الجدران ونحن نخالف هديه في كل شارع؟
مشروع الضوء الأخضر للقطرنة ليس إلا نموذجاً مصغراً للمشروع كامل. مشروع يهتم بالشارع الذي يُرى ويهمل الإنسان الذي لا يُرى. يستخدم الدين كديكور، والمناسبة كتبرير، واللون الاخضر كمسكن مؤقت للألم.
والسؤال الأخير للحوثي: إلى متى سيبقى المواطن هو آخر بند في جدولك، ويبقى اللون الأخضر هو أول بند في ميزانيتك؟





