في تغريدته، ردّ الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي بشكر رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي على برقية التهنئة التي بعث بها إلى أوكرانيا بمناسبة يوم الاستقلال.
هذا النوع من التواصل الدبلوماسي يندرج ضمن الرسائل والبرقيات البروتوكولية بين الدول، لكن التفاعل اليمني معها، والاحتفاء بها بوصفها مؤشراً على تحوّل محتمل في العلاقات أو مقدمة لدعم أوكراني لليمن، يستحق التوقف عنده أكثر من التغريدة نفسها: ماذا تعني هذه الرسالة فعلاً في ميزان العلاقات بين البلدين؟ وماذا تستطيع اليمن أن تحصل عليه من أوكرانيا، وما الذي تملك في المقابل أن تقدمه لها؟
ولوضع هذا الرد في سياقه الطبيعي، لابد من العودة إلى تاريخ العلاقة بين البلدين لفهم الطريقة التي تعامل بها الطرفان مع المصالح المشتركة، وما إذا كانت هناك بالفعل أرضية تسمح ببناء علاقة أكثر فاعلية في المستقبل.
وقد لفت انتباهي في هذا السياق حجم التفاعل اليمني مع تغريدة زيلينسكي، إذ تراوحت الردود بين احتفاء مبالغ فيه وكأن العلاقات بين الجانبين وصلت إلى مستوى من التحالف أو الدعم المتبادل، وبين من اعتبر التغريدة فاتحة خير لدعم أوكراني محتمل لليمن، بل إن بعض التفاعلات ذهبت إلى التساؤل عما إذا كانت كييف يمكن أن تدعم اليمن بالطائرات المسيّرة.
واللافت هنا أن زيلينسكي، منذ توليه منصبه عام 2019، لم يُعثر في حسابه على منصة "إكس" أو في الموقع الرسمي للرئاسة الأوكرانية على تهنئة منشورة لليمن بمناسبة العيد الوطني للجمهورية اليمنية 22 مايو، رغم أن أرشيف الرئاسة الأوكرانية يوثق تهنئة سابقة من الرئيس فيكتور يانوكوفيتش إلى الرئيس عبدربه منصور هادي بالمناسبة نفسها عام 2012.
في المقابل، تكشف برقية العليمي عن رغبة واضحة على استخدام هذا النوع من التواصل لما قد يمثله بالنسبة إليه وسيلة للحضور السياسي والتواصل مع الخارج ولفت الانتباه إلى موقعه الرسمي، وربما تعويضاً عن محدودية حضوره الخارجي وزياراته واتصالاته المباشرة كرئيس لمجلس القيادة، خصوصاً مع حرصه على توجيه مثل هذه الرسائل حتى في مناسبات لا يبدو أنه يتلقى فيها تهاني مماثلة من قادة الدول الأخرى بمناسبة الأعياد الوطنية اليمنية.
وبالعودة لتاريخ العلاقة بين البلدين، فقد اعترفت أوكرانيا باليمن بعد استقلالها عام 1992، ثم تطورت العلاقة إلى علاقات دبلوماسية، لكن السنوات التالية لم تكن جيدة بالضرورة بالنسبة إلى اليمن.
وسنتوقف هنا عند واحدة من أهم المحطات التي تكشف طبيعة العلاقة وموازين المصالح بين البلدين: موقف أوكرانيا من مساعي اليمن للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، وهي محطة تكشف، وفق ما تظهره وقائع المفاوضات وشهادات المسؤولين والدبلوماسيين المشاركين فيها، أن كييف تعاملت مع اليمن بمنطق أقل ما يُقال عنه إنه انتهازي، واستغلت موقعها التفاوضي لانتزاع تنازلات ومطالب اقتصادية تجاوزت، بحسب الجانب اليمني، ما طلبته بقية الدول، على حساب مبدأ المعاملة العادلة الذي يفترض أن يحكم مثل هذه المفاوضات.
وقد يقول قائل: ما جدوى استحضار محطة تعود إلى الماضي، فيما نتحدث اليوم عن تطلع إلى فرص مستقبلية محتملة بين البلدين؟ وهذا سؤال مشروع، لكن فهم الماضي لا غنى عنه عند محاولة بناء علاقات أفضل بين الدول؛ فالفرص لا تأتي بالأمنيات، وإنما تنشأ عندما تتوافر الشروط والظروف التي تجعل لدى الأطراف المعنية مصلحة حقيقية في المضي قدمًا نحوها.
ولو أن أوكرانيا تعاملت مع اليمن خلال تلك المفاوضات بصورة عادلة، وبالشروط نفسها التي تعاملت بها الدول الأخرى مع اليمن والتي تمت بسلاسة وسهولة وسرعة، ولم تضع أمامها مطالب تعجيزية أو تُطِل أمد التفاوض على النحو الذي حدث، لكان من الممكن أن تُحسم المفاوضات خلال أشهر، لا أن تمتد لسنوات.
وفي هذه الحالة، كان بإمكان اليمن أن تنضم إلى منظمة التجارة العالمية في وقت أبكر بكثير، وربما منذ عام 2008، لا أواخر 2013، وهي فترة كانت ستفيد اليمن وتحقق لها بعض ما كانت تصبو إليه.
لكن ما حدث أن المفاوضات استمرت، وتأخر إغلاق هذا الملف حتى اكتملت الإجراءات النهائية في يونيو 2014، ولم تمر بعدها سوى ثلاثة أشهر حتى جاء انقلاب الحوثيين الذي جلب الحرب للبلاد ،وحرمها من استثمار ما حققته بعد أكثر من عقد من المفاوضات والإصلاحات.
وهنا لا استحضر هذه الواقعة لمجرد تسجيل موقف على أوكرانيا من الماضي، وإنما لأنها تطرح سؤالاً مشروعاً عند الحديث اليوم عن مستقبل العلاقات بين البلدين: ماذا قدّمت أوكرانيا لليمن في المقابل؟
فعلى مدى سنوات الحرب، لم يكن الموقف الأوكراني حاضراً بصورة لافتة في الدفاع عن القضية اليمنية أو في مساندة اليمن دبلوماسياً، على الأقل بالمستوى الذي يمكن أن يتوقعه المرء بين دولتين تربطهما علاقات دبلوماسية ومصالح مشتركة، بينما تكمن المفارقة في أن دولاً أخرى لا تربطها باليمن علاقات دبلوماسية، ولا تمتلك معه المصالح نفسها، كانت أكثر حضوراً في المواقف الدبلوماسية المتعلقة باليمن، سواء في آسيا أو أفريقيا أو أمريكا اللاتينية.
وخلال رحلة اليمن الطويلة للانضمام لمنظمة التجارة التي بدأت عام 2000، برزت أوكرانيا باعتبارها أبرز العقبات أمام استكمال المسار اليمني، إذ ظلت مفاوضات النفاذ إلى الأسواق معها عالقة في وقت كانت فيه اليمن قد أغلقت مفاوضاتها مع بقية الأعضاء المهتمين.
وتوضح تصريحات وزير الصناعة والتجارة آنذاك، الدكتور سعد الدين بن طالب، حجم التعقيد الذي رافق هذه المفاوضات؛ فقد أكد أن اليمن استكملت إلى حد كبير متطلبات الانضمام، وأنها أغلقت مفاوضاتها مع أستراليا وكندا والصين والسلفادور والاتحاد الأوروبي وهندوراس واليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة، بينما بقيت أوكرانيا الطرف الوحيد الذي لم تُغلق معه مفاوضات النفاذ إلى الأسواق.
وكانت الشكوى اليمنية الأساسية أن أوكرانيا تطرح مطالب تفوق ما قدمته بقية الدول، رغم أن اليمن قدّمت لها عروضاً وتنازلات متكررة، لدرجة أن بن طالب قال في أحد الاجتماعات "كنت أتساءل دائماً لماذا اتفقت اليمن مع تسعة أعضاء في المنظمة ولم تتفق مع أوكرانيا"، مضيفاً أن اليمن «ذهب إلى أبعد مما ذهبنا إليه مع أي دولة أخرى"، ليخلص للقول إن المطالب الأوكرانية أصبحت عبئاً غير متناسب على بلد مصنّف ضمن أقل البلدان نمواً.
ولم يكتفِ الوزير، في شهادته، بوصف صعوبة المفاوضات، بل اعتبر استمرارها بهذه الصورة خروجاُ عن مبدأ العدالة الذي يفترض أن يحكم مفاوضات الانضمام، قائلاً إن اليمن "لا يمكن أن تكون عرضة لمحادثات طويلة وغير مجدية تنتهي إلى المزيد من المطالب وإن هذا ليس عدلاً، هذه ليست قواعد منظمة التجارة العالمية".
والمفارقة أن أوكرانيا كانت، بحسب ما عكسته التقارير والمداولات في ذلك الوقت، من أكثر الأطراف تشدداً في مطالبها تجاه الدول الساعية إلى الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، ولم يقتصر هذا الموقف على اليمن، بل ظهر أيضاً في مفاوضاتها مع دول أخرى، من بينها لاوس.
ونقلت تقارير آنذاك عن دبلوماسيين غربيين وصفهم لأوكرانيا، بعد انضمامها إلى المنظمة، بأنها أصبحت "الفتى الشرير" الجديد في النادي التجاري العالمي.
وقد أرادت أوكرانيا استغلال حق "الفيتو" بصفتها عضو في المنظمة لفرض شروط غير عادلة على اليمن لضمان مصالحها التجارية لاحقاً، وذلك من خلال مطالبة الدول المرشحة بخفض الرسوم الجمركية على الواردات، خصوصاً في قطاعي الزراعة والمعادن بحيث تتمكن من التصدير إلى اليمن ولاوس، بما يسهم في تطوير البنية التحتية وتحديث الصناعة في البلدين.
ومن منظور اقتصادي، كان فتح هذه الأسواق أمام الصادرات الأوكرانية يعني توسيع قنوات التصدير والمساعدة في تقليص العجز التجاري الأوكراني وتمثل التجارة مع اليمن مصلحة وإن كانت محدودة حينها فقط؛ إذ أظهرت بيانات دائرة الإحصاء الحكومية الأوكرانية أن صادرات أوكرانيا إلى اليمن بلغت نحو 17 مليون دولار عام 2011.
وبعد مسار تفاوضي طويل امتد قرابة أربع سنوات ونصف، أعلنت اليمن في يوليو 2012 التوصل إلى اتفاق مع أوكرانيا أنهى الخلاف بشأن مفاوضات النفاذ إلى الأسواق، وفي اليوم التالي، أكدت منظمة التجارة العالمية إغلاق المفاوضات بين البلدين، واعتبرت الاتفاق خطوة تتيح الانتقال إلى الاجتماع النهائي لفريق العمل الخاص بانضمام اليمن.
لكن إغلاق الملف الأوكراني لم يكن نهاية رحلة الانضمام؛ فقد ظلت أمام اليمن إجراءات فنية وتشريعية ومفاوضات متعددة الأطراف يتعين استكمالها، وفي 26 سبتمبر 2013، اختتم فريق العمل الخاص بانضمام اليمن مفاوضات الانضمام، قبل أن توافق الدول الأعضاء رسمياً في 4 ديسمبر 2013 على حزمة انضمام اليمن خلال المؤتمر الوزاري التاسع للمنظمة في بالي.
وفي مطلع فبراير 2014، صادق مجلس الوزراء اليمني على بروتوكول ووثائق الانضمام وأحالها إلى مجلس النواب، الذي صادق في مايو من العام نفسه على بروتوكول الانضمام، قبل أن تودع اليمن وثيقة القبول لدى منظمة التجارة العالمية.
وفي 26 يونيو 2014، دخل البروتوكول حيز التنفيذ وأصبحت اليمن العضو رقم 160 في منظمة التجارة العالمية.
وأتذكر جيداً أنه في فبراير 2014، عقدت وزارة الصناعة والتجارة مؤتمراً صحفياً خاصاً بالإعلاميين للتعريف بما يُمكن أن تستفيده البلاد، وقد وُجهت الدعوة إلى صحيفة "الصحوة"، وحضرت اللقاء بالنيابة عنها، وكان في فندق "تاج سبأ" بمنطقة التحرير في صنعاء. وتحدث وزير الصناعة والتجارة آنذاك، بن طالب، بوضوح عن صعوبة المفاوضات مع أوكرانيا.
وإذا نظرنا إلى المستوى التجاري، فميزان التبادل التجاري يميل بوضوح لصالح أوكرانيا، حيث تظهر البيانات الأوكرانية أن إجمالي التجارة بين البلدين ارتفع من نحو 138.76 مليون دولار في 2019 إلى 246.51 مليوناً في 2021، قبل أن يتراجع إلى 42.48 مليون دولار في 2023 بفعل الحرب، ثم يرتفع إلى نحو 94.64 مليوناً في 2024.
وتشكل الحبوب والقمح جوهر الصادرات الأوكرانية إلى اليمن؛ ففي 2019 استحوذت الحبوب على نحو 87.5% من الصادرات، فيما ارتفعت حصة أوكرانيا من واردات اليمن من القمح من نحو 5% عام 2017 إلى 27% عام 2021 وفق بيانات "الفاو". وفي موسم 2020/2021 استوردت اليمن نحو 793 ألف طن من القمح الأوكراني، بما يعادل قرابة 19.6% من إجمالي وارداتها من القمح، في المقابل، لم تتجاوز واردات أوكرانيا من اليمن في 2022 نحو 430 ألف دولار، معظمها من القهوة ومشتقاتها والبلاستيك.
وبناءً على ما سبق، قد يُطرح سؤال مشروع: أليست هناك فرصة لتعزيز التعاون بين اليمن وأوكرانيا؟ بالتأكيد، فالفرص موجودة من حيث المبدأ، لكن استثمارها يحتاج إلى قراءة واقعية لموازين القوة والمصالح بين البلدين. ولعل أفضل ما يفسّر حدود هذه الفرص هو العودة إلى التجربة السابقة؛ فإذا كانت اليمن، وهي يومها دولة أكثر تماسكاً وقدرة، قد واجهت مفاوضات شاقة مع أوكرانيا واضطرت في النهاية إلى تقديم تنازلات للوصول إلى اتفاق، فماذا تستطيع أن تفعل اليوم وهي في وضع أضعف بكثير، ولا تملك أوراقاً اقتصادية أو سياسية كبيرة يمكن أن تغري كييف بتقديم تنازلات مقابلة؟





