الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026 | الموافق ٩ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ
الرأي

انا وآرنت في صنعاء... أو نزع السحر عن الشر الحوثي

الحوثيون واستدعاء الحرب: من جلب القصف إلى التنكر له"

في الحادي والعشرين من سبتمبر 2014 دخل الحوثيون صنعاء، ولم يكن ذلك مجرد يوم آخر في الحرب اليمنية. كان يوما تغيرت فيه طبيعة السلطة نفسها، لأن ما دخل العاصمة لم يكن قوة عسكرية فقط، بل فكرة عن السلطة تريد أن تعيد تعريف العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبين النسب والدولة، وبين الطاعة والحق، وبين الإنسان اليمني وموقعه في النظام السياسي السلالي.

بعد اثني عشر عاما تقريبا، ربما نحتاج إلى أن ننظر إلى ذلك اليوم من زاوية مختلفة عن زاوية المعارك والانقلابات والتحالفات.

ماذا لو استعرنا من حنة آرنت مفهوم "تفاهة الشر" لكي نفهم ما حدث في صنعاء؟ لا أقصد بذلك مساواة الحوثيين بالنازية، فالمقارنة التاريخية بهذا الشكل ستكون سطحية وغير صحيحة. ما يمكن استعارته من آرنت ليس التشبيه، وإنما السؤال: كيف يصبح الشر ممكنا عندما يتحول من فعل استثنائي إلى ممارسة عادية، ومن قرار أخلاقي إلى وظيفة، ومن عنف واضح إلى نظام كامل يجعل الناس يمارسونه وهم يعتقدون أنهم يؤدون واجبهم؟ هذه هي النقطة التي أظن أنها تستحق أن نعيد من خلالها قراءة 21 سبتمبر.

فالشر السياسي لا يبدأ دائما من رجل شرير يجلس في غرفة مظلمة ويقرر قتل الناس، أحيانا يبدأ من فكرة تبدو مقدسة. ثم تتحول الفكرة إلى حق. ثم يتحول الحق إلى سلطة. ثم تصبح السلطة طاعة، ثم تصبح الطاعة مؤسسة، وفي اللحظة الأخيرة لا يعود أحد يسأل: هل ما نفعله عادل؟

يصبح السؤال فقط: هل نفذنا الأمر؟ وهنا تبدأ تفاهة الشر.

المشكلة ليست في الدم وحده.

الخطأ الأكثر شيوعا في فهم التجربة الحوثية هو اختزالها في العنف المسلح. فالعنف موجود، والاعتقالات موجودة، والقمع موجود، وتجنيد الأطفال والانتهاكات موثقة في تقارير أممية وحقوقية متعددة، لكن هذه ليست القصة كلها.

المشكلة الأعمق أن الحوثيين لم يحاولوا فقط السيطرة على مؤسسات الدولة، بل أعادوا بناء العلاقة بين المجتمع والسلطة من خلال شبكة موازية من المشرفين والولاءات والجبايات، والرقابة والتعبئة الأيديولوجية. وقد وثقت عدد من مراكز الدراسات، كيف تحولت وظيفة المشرف من وجود أمني مؤقت بعد السيطرة على صنعاء إلى شبكة ممتدة داخل الوزارات والمجتمع والتعليم والقبائل.

وهذا فارق جوهري، فحين يقتل رجل في الحرب، فإننا نستطيع أن نرى القاتل والضحية والسلاح، لكن حين يتحول القتل أو القمع إلى نظام، فإن المسؤولية تتوزع داخل سلسلة طويلة من الأفعال الصغيرة: موظف يوقع، مدير يرفع اسما، مشرف يبلغ عن شخص، مدرس يلقن الأطفال، رجل قبيلة يسلم أسماء الشباب، مسؤول أمني يطلب الاعتقال.

شخص آخر ينفذ، وآخر يصمت، وفي النهاية يبدو كأن أحدا لم يفعل شيئا، هذه هي النقطة التي تصبح فيها آرنت مفيدة في صنعاء، فالشر الأخطر ليس دائما الشر الذي نراه، أحيانا يكون الشر الذي يتوزع إلى هذا الحد بحيث لا يشعر أحد بأنه صاحبه.

المسألة الحوثية لا يمكن فهمها بالكامل من دون النظر إلى مفهوم الولاية، ولا يعني ذلك أن كل الزيدية يتبنون التصور الحوثي للسلطة.

هذا تعميم لا تؤيده الوقائع التاريخية ولا الاجتماعية. كما أن الزيدية اليمنية نفسها مدرسة تاريخية واسعة ومتنوعة، ولا يمكن اختزالها في حركة الحوثيين المعاصرة، لكن الحوثيين أعادوا توظيف بعض المفاهيم الدينية والسياسية المتعلقة بالإمامة والولاية داخل مشروع سياسي معاصر.

وتشير دراسات متخصصة إلى أن الخطاب الحوثي طور تدريجيا مفهوم الولاية، ليصبح أساسا لتصور عن أحقية دينية وسياسية في القيادة، وأن هذا التصور يعيد تعريف العلاقة مع السلطة باعتبارها علاقة طاعة وامتثال أكثر منها علاقة مواطنة ومؤسسات دستورية.

وهنا تحدث النقلة الخطيرة، فالولاية عندما تبقى فكرة دينية أو نقاشا فقهيا يمكن أن تكون موضوعا للبحث والاختلاف.

لكن عندما تنتقل إلى الدولة، تتحول من فكرة إلى معيار للمواطنة السياسية، ومن هنا يصبح السؤال ليس: من يملك الكفاءة؟ ولا من انتخبه الناس؟ ولا ما الذي يقوله الدستور؟

بل من يملك الحق في القيادة بحكم موقعه في السلالة أو قربه منها؟ وهنا يتغير معنى الإنسان نفسه داخل الدولة، المواطن لم يعد مواطنا متساويا مع غيره، إنه شخص يقف أمام سلطة ترى نفسها أعلى منه، من حيث المصدر والشرعية، وهذا هو المكان الذي يتحول فيه النسب من هوية اجتماعية إلى رأس مال سياسي، الحوثي لم يصنع الشر من العدم.

ربما تكون هذه هي الحقيقة الأكثر إزعاجا، الحوثيون لم يخترعوا كل أشكال القسوة الموجودة في اليمن. فاليمن كان يعرف القتل القبلي، والثأر، والسجون، والتعذيب، والفساد، والاستبداد، وتوظيف الدين في السياسة، وتوزيع الدولة على أساس الولاء قبل 2014.

لكن الحوثيين فعلوا شيئا مختلفا، أعطوا العنف بنية أيديولوجية ومؤسسية أكثر تماسكا. وهذه نقطة مهمة، فالشر يصبح أكثر خطورة عندما يجد له تفسيره الأخلاقي، القاتل العادي يعرف في داخله أنه قتل.

أما عندما تقول له إن قتلك للآخر دفاع عن الدين، أو عن الجماعة، أو عن المستضعفين، أو عن القيادة الشرعية المقدسة، فإنك لا تطلب منه فقط أن يقتل، وإنما أنت تعيد ترتيب ضميره. تجعله يرى الجريمة واجبا مقدسا، وهنا تصبح المشكلة أكبر من السلاح ومن القتل ذاته.

تصبح المشكلة في اللغة التي تجعل السلاح بريئا. من شيطنة الخصم إلى إلغاء وجوده وإلغاء إنسانية القاتل، إنسانيته، أي أنك تلغي وجود خصمك وتلغي إنسانية من يواليك، كل سلطة سلالية إجرامية مغلقة تحتاج إلى صناعة عدو، ليس لأن العدو دائما موجودا بالمعنى الذي تصفه الدعاية، وإنما لأن السلطة تحتاج إلى شخص يمكن أن يبرر أمامه الاستثناء.

في الخطاب الحوثي أصبح الخصم السياسي صار "مرتزقا"، أو "منافقا"، أو "تكفيريا"، أو عميلا، أو عدوا لله، أو امتدادا للخارج، وحين تفقد الإنسان صفته الإنسانية في اللغة يصبح التعامل معه أسهل في الواقع.

هذه ليست مسألة لغوية صغيرة، اللغة تسبق العنف. فقبل أن يسجن الإنسان، يجب أن يتحول في الوعي إلى شخص يستحق السجن، وقبل أن يقتل، يجب أن يصبح قتله مفهوما ومقبولا ومبررا، وقبل أن يصادر حقه يجب أن يصبح وجوده السياسي نفسه مشكوكا فيه.

لهذا فإن المعركة الحقيقية مع الحوثي ليست فقط على البندقية، إنها على تعريف الإنسان، من هو اليمني؟ هل هو مواطن؟ أم تابع؟ هل حقه السياسي يولد معه؟ أم يحتاج إلى رضا سلطة سلالية؟ هل الدولة ملك المجتمع؟

أم أداة بيد من يملك الخرافة الدينية أو السلاح؟ هذه الأسئلة تبدو نظرية، لكنها في الحقيقة كانت تختبئ خلف كل مشهد من مشاهد صنعاء بعد 21 سبتمبر.

المشرف... أيخمان اليمني؟

لا أقصد أن المشرف الحوثي هو أيخمان، التاريخ لا يحتمل هذه السهولة، لكن فكرة "الموظف الذي ينفذ الأوامر" مفيدة جدا لفهم ما حدث، عندما دخل الحوثيون صنعاء، ظهر المشرف بوصفه أحد أدوات السلطة الجديدة، ومع الوقت أصبح المشرف في بعض المجالات موازيا للمؤسسة الرسمية أو متدخلا في عملها، بحيث لم تعد الدولة هي المصدر الوحيد للقرار، وقد وثقت مراكز دراسات انتشار المشرفين داخل الوزارات والقطاعات الاجتماعية والمالية والتعليمية.

وهنا يمكن أن نفهم معنى تفاهة الشر بصورة يمنية، فالرجل الذي يمنع راتب موظف ليس بالضرورة قاتلا، والذي يراقب مدرسا ليس بالضرورة جلادا، والذي يكتب تقريرا عن ناشط قد لا يحمل سلاحا، والذي يطلب من شيخ قبيلة أسماء الشباب لا يطلق النار بنفسه.

لكن هذه الأفعال الصغيرة تصبح أجزاء من آلة واحدة، وهذه هي خطورة البيروقراطية السياسية، إنها تجعل الجريمة قابلة للتجزئة، كل شخص يؤدي جزءا صغيرا منها، ثم لا يجد أحد نفسه مسؤولا عن النتيجة النهائية.

المدرسة بعد 21 سبتمبر أخطر من السجن، فالسجن يعاقب الإنسان الموجود، لكن المدرسة تستطيع أن تصنع الإنسان الذي سيقبل بالعقوبة غدا، ولهذا فإن أخطر ما حدث في مناطق سيطرة الحوثي ليس فقط ما يجرى في السجون والمعتقلات.

بل ما جرى في الذاكرة، تشير تقارير بحثية إلى تغييرات واسعة في المناهج والمحتوى التعليمي في مناطق سيطرة الحوثيين، وإلى إدخال مضامين أيديولوجية وسياسية وإعادة تشكيل بعض مواد التاريخ والتربية الدينية والوطنية.

وهنا تصبح المعركة على طفل لم يحمل بندقية بعد، تقول له من هو البطل، ومن هو الخائن، من هو الشهيد، من هو العدو، ومن يملك الحق في الحكم، ومن يجب أن يطيع، وحين يكبر الطفل وهو يرى السلطة باعتبارها امتدادا للعقيدة، يصبح الخضوع لها جزءا من تكوينه النفسي والسياسي، هذه ليست عملية تجنيد عسكري فقط، إنها إعادة برمجة للعلاقة بين الإنسان والسلطة.

تفاهة الشر الحوثي ليست تفاهة الجريمة، هنا ينبغي أن نكون أكثر دقة من آرنت نفسها في تطبيق المفهوم على اليمن، لا يعني وصف الشر بأنه تافه أن الجرائم تافهة، قتل إنسان ليس فعلا تافها، تعذيب المعتقل ليس تافها، تجنيد طفل ليس تافها، مصادرة منزل أو وظيفة أو حياة ليست تافهة، التافه هو أن يتحول ارتكاب هذه الأفعال إلى شيء عادي، أن يصبح الإنسان قادرا على فعلها دون أن يشعر بأنه ارتكب شيئا استثنائيا.

أن يتحول الشر إلى وظيفة، إلى راتب، إلى ترقية، إلى نقطة أمنية، إلى توجيه إداري، إلى درس مدرسي، إلى شعار في مناسبة، إلى واجب ديني، إلى أمر من المشرف، وهنا يصبح الشر أخطر من صورته الدموية المباشرة، لأن الشر المرئي يخيف الناس، أما الشر الذي يصبح عاديا، فإنه يعيد تشكيل الناس.

ماذا فعلت صنعاء بعد 21 سبتمبر؟ ربما لم يكن السؤال الحقيقي: كيف سيحكم الحوثيون صنعاء؟ بل كيف سيغيرون صنعاء لكي تصبح قابلة للحكم الحوثي؟ وهنا نجد الإجابة في المؤسسات والمجتمع والتعليم والإعلام والقبائل والاقتصاد.

تحدثت دراسات عن مركزية متزايدة للسلطة الحوثية، وإضعاف أدوار الفاعلين الاجتماعيين التقليديين، واستخدام شبكة المشرفين والبرامج الثقافية والتعليمية والجبايات والتعبئة لتثبيت السلطة، أي أن المسألة لم تكن احتلال العاصمة فقط، كانت إعادة إنتاجها، وهذا فرق هائل.

فالاحتلال العسكري يحتاج إلى جنود، أما السيطرة المستقرة فتحتاج إلى أن يصبح المجتمع نفسه جزءا من آليات السيطرة.

أن يعرف الموظف ماذا يقول، والمدرس ماذا يدرس، والشيخ من يجب أن يرضى عنه، والتاجر ماذا يدفع، والطالب ماذا يردد، والصحفي ما الذي لا ينبغي أن يكتبه، والأسرة كيف تتحدث داخل بيتها، عند هذه النقطة لا يعود الحوثي بحاجة إلى أن يضرب كل شخص، يكفي أن يعرف كل شخص حدود ما يمكن أن يفعله، هذه هي إحدى أكثر صور الحوثي كفاءة وقسوة.

لماذا قلت في العنوان "نزع السحر عن الشر"؟

لأن تصوير الحوثيين باعتبارهم شياطين مطلقين قد يبدو قويا سياسيا وقانونيا، لكنه ضعيف تحليليا، فالشيطان لا يحتاج إلى تفسير، أما الحوثي فيحتاج إلى تفسير، وإذا قلنا إن الحوثي شرير بطبيعته، فإننا نغلق باب السؤال:

لماذا انضم إليه؟ لماذا قاتل معه؟

لماذا سكت بعض الناس؟

لماذا قبل بعض الموظفين العمل داخل جماعته؟ لماذا تحول بعض الشباب إلى مقاتلين؟ لماذا استطاع خطاب سلالي ديني سياسي معين أن يحشد آلافا؟

ولماذا استطاعت جماعة صغيرة نسبيا أن تتحول إلى سلطة تسيطر على مؤسسات ومجتمع وجغرافيا واسعة؟

هذه الأسئلة أهم من وصف الحوثي بأنه شرير، لأن وصفه بالشر لا يفسر شيئا، أما فهم آليات صناعة الشر فيفسر الكثير.

فالسلطة الحوثية تصنع ما لا يستطيع الإنسان صنعه وحده.

الرجل الذي لا يملك سلطة قد يكون قادرا على إيذاء شخص واحد.

لكن عندما تعطيه جهازا أمنيا، وسجنا، وسلاحا، وموارد دولة، وإعلاما، وتعليما، وقضاء، وشبكة مخبرين، وشرعية دينية، فإنه يستطيع أن يفعل ما لم يكن قادرا عليه منفردا.

لهذا فإن مشكلة الحوثي ليست في "طبيعة" الحوثي،

إنها في تركيز القوة في يد بنية سلالية لا تقبل المراجعة السياسية الكافية، وهذا أيضا يفسر لماذا لا ينبغي أن ننتظر سقوط الحوثيين كي نبدأ التفكير في المستقبل.

فالمشكلة ليست في الأشخاص وحدهم، فإذا سقطت سلطة الحوثي وبقيت الفكرة السلالية التي تنتج بين الفترة وأخرى إماما جديدا وولاية جديدة ومصطفين جدد بمسمى جديد وشعارات جديدة، فإننا لم ننه الشر، لقد غيرنا اسمه فقط.

الشر الحوثي قابل لإعادة الإنتاج، هذه ربما أخطر خلاصة يمكن الوصول إليها، فإذا كانت المشكلة هي عبدالملك وجماعته وحدهم، فإن إسقاطهم عسكريا ينهي المشكلة، لكن إذا كانت المشكلة هي بنية الولاية، وشبكة الطاعة، واحتكار القوة، وتسييس النسب، وتقديس القيادة، وتربية الأجيال على الطاعة، وتحويل الخصم إلى عدو ديني، فإن المشكلة أكبر من عبدالملك الحوثي وسلطته.

إنها نظام سلالي قابل لإعادة إنتاج نفسه، وقد يحدث ذلك باسم مختلف، ولهذا لا يكفي أن تستعيد الجمهورية صنعاء عسكريا، فالجمهورية التي تستعيد العاصمة ثم تترك المدرسة والإعلام والقضاء والجيش والوظيفة العامة رهينة لمنطق السيد والولاية وآل البيت والولاء ستعيد إنتاج المشكلة من جديد. المطلوب ترسيخ الدولة كفكرة ومؤسسة.