تتزاحم أكثر من ذاكرة في يمن اليوم، وكل واحدة لا تريد فقط - أو لا تريد بالمرة - أن تتصدر المشهد، بل تسعى جاهدةً إلى طمس الأخرى وطمرها وقلب تراب النقائض عليها.
على سبيل المثال لا الحصر، هناك ذاكرة الجمهورية، وهناك ذاكرة الجمهورية الموحدة، وهناك ذاكرة الإمامة، وهناك ذاكرة الزيدية وذاكرة الحوثية، هناك ذاكرة الشافعية والذاكرة السلفية، هناك ذاكرة اليمن وذاكرة الجنوب.
وهناك ذاكرة المَحَال؛ ومن ضروب هذه الأخيرة أن الضالع ذاكرةٌ تريد أن تطغى على عدن، وصعدة ذاكرةٌ تحاول أن تطغى على صنعاء.
يجري تجاذب تركيب الذاكرة الجمعية من خلال تصقيب الجهة بالأيديولوجية وتشكيل اعتياد فج في المظهر واللهجة المفروضة والقيم المتداولة في المدينة.
تنتج هوية ضيقة لا تحتمل الآخر وتضيق بانفتاحه ومدنيته. وبدلاً من أن تتحول صنعاء أو عدن من فضاء جامع تعبر عن الكل اليمني، تتحول إلى مركز ذاكرة الأطراف والكهوف كمفاهيم حاكمة للحاضر والعام.
نعود إلى نقائض ذاكرتَي الجمهورية والإمامة، اللتين تنتعش نزالاتهما أكثر في سبتمبر.
الحرب اليمنية الجارية هي حرب ذاكرةٍ أيضاً، يتداخل فيها الماضي بالحاضر، وتؤثث ممرات المستقبل بصراعٍ من السرديات.
يمسك الحوثيون بتلابيب السلطة المادية والرمزية بأشد ما يمكن أن يفعلوا، إلى درجة خنق هذه السلطة.
قدموا ولديهم ثأرٌ في الذاكرة منذ اليوم الأول، منتقمون من سبتمبر الشهر، ومن 26 سبتمبر اليوم. جعلوا يوم 21 سبتمبر يوماً مقصوداً وأسموه ثورة كي يطووا به صفحةً جديدةً في وجدان اليمنيين تجاوز صداها آفاق اليمن. بل يرون ما فعلوه وحدهم أكبر من "ثورة فبراير" التي كانت ساحاتها في كل ربوع اليمن.
أمسكوا أول ما أمسكوا بالأرشيف، وأظهروا أول ما أظهروا وثائق الإمامة، واستولوا أول ما استولوا في صنعاء على أراضي الإمامة.
يعملون ليل نهار على طمس الهوية الجمعية واستبدال الهوية اليمنية بالهوية الإيمانية، واقتلاع الجمهورية بالمسيرة القرآنية، حتى إنهم أوجدوا "قناة الهوية" ووزعوا على جدران استديوهاتها رموز اللغات اليمنية القديمة.
لا يريدون سلب تاريخ اليمن الإسلامي فقط، بل سيحتكرون تاريخ ما قبل الإسلام أيضاً.
انفجرت جهودهم الدعائية في البودكاست والندوات والرسائل الجامعية والأفلام الوثائقية لتكريس سرديتهم الخاصة واستبعاث العهد الإمامي من مرقده، وتزيين عفنه.
إعادة رسم وتثبيت معالم تاريخية على اليمنيين، وقلب الحقائق بسردية مضادة؛ يقولون إن العهد الإمامي كان دولةً خالصةً كاملة، بينما لم تكن فيه حكومة مثل كل الحكومات.
الصراع الذي يديرونه لا يقتصر على إعادة تفصيل وسرد ما حدث في الماضي، بل قراءة التاريخ بمشرط الأيديولوجيا، وانتقاء الأحداث وتبجيل الضحايا بما يخدم سرديتهم.
إنه في جوهره تنازعٌ على حق تشكيل المشاعر الوطنية. عندما يتم استبدال "الهوية الوطنية الجامعة" بـ "الهوية الإيمانية المغلقة"، يتم تحويل المواطنة من حق سياسي وإنساني إلى "درجة إيمانية" يُمنح ويُحرم منها المواطن بناءً على موالاته وإيمانه لا اختياره الحر.
جعلوا من حادثة "تنومة" قيامة اليمنيين، وتجاهلوا كيف فعل إمامهم (العالم الرباني) بالزرانيق وكيف أبادهم في معتقلاته وقضى عليهم؛ إبادة جماعية بكل المقاييس.
تجاهلوا ما فعله أمامهم اثناء هروبهم التوسعية بمشايخ لواء تعز (الذي كان يضم تعز ومناطق وساعة من إب). أو ما فعله جنودهم بمشايخ المشرق في البيضاء ومأرب.
ليست "تنومة" مجرد معلمٍ تاريخي لإذكاء صراع تاريخي مع المملكة العربية السعودية، بل وسيلة لإعادة قلب التاريخ وتحديد بدايته لتتوافق أدبيات صراع إقليمي (يمني - سعودي) مع نقطة انطلاق للتاريخ الذي يريدون فرضه على اليمنيين.
كم هي الندوات والمقالات والكتب التي نفذوها حول هذا الموضوع فقط؟
المقصود من هذا التكثيف هو تغذية عقدة المظلومية الخارجية وخلق عدو كلاسيكي (السعودية) لتبرير الصراع الإقليمي. وفي المقابل، يتم تعقيم وتغييب "مأساة الزرانيق" والبطش الإمامي بأبناء تهامة وتعز والبيضاء ومأرب، لأن الاعتراف بها ينسف مقولة "العدالة الإمامية الفاضلة" ويعيد تعريف العدو الكلاسيكي الشعب اليمني.
اليوم - وليس اليوم فقط بل سبق أن حشوا افكارهم هذه في الدارسات والأبحاث وبين النخب الدارسة لليمن- 26 سبتمبر في نظرهم انقلاب، والثوار مجرمون وخونة، وتضحيات اليمنيين عمالة وارتزاق لمصر وعبد الناصر غازٍ، والسلال مجرم... وهكذا.
يظهر أحدهم ويبتهل إلى الله أنه قدم لليمنيين هذه الأسرة وأنها من نعم الله.
بهذه البلاغة الممجوجة تمارس الجماعة تصفير التاريخ؛ حيث تُختزل اليمن الحضارية والجمهورية في نقطتي ارتكاز فقط: (مظلومية أهل البيت) و(يوم 21 سبتمبر)، وما بينهما إما "جاهلية" أو "عمالة".
لن يكتفوا بمصادرة السلطة والثروة، بل يريدون الوصول إلى عقول الناس وعواطفهم؛ لا يريدون الدخول في نقاشٍ وجدل، بل يحتكرون المعرفة ويعيدون توزيعها للأطفال والناشئة، حتى يتكون جيلٌ يصادم جيلاً، وتتصارع ذاكرةٌ ضد ذاكرة في البيت الواحد.
الغرض من هذه التنشئة المكثفة هو خلق قطيعة بين الأجيال. الآباء يحملون ذاكرة سبتمبر والجمهورية والانفتاح، والأبناء مشحونون بالفكر الجهادي والولاء لعبد الملك والمظلومية التاريخية والنزعة إلى القتل.
يسعون إلى تدجين الرموز التاريخية اليمنية ويعيدون دمجها في إطارهم العقائدي.
يسابقون الزمن لتدجين الأطفال في المدارس والمراكز الصيفية، لأنهم يدركون أن السلطة زائلة، لكن السلطة الدائمة تكمن في استلاب ومصادرة قلوب وعقول الناس ببرمجة ذاكرتهم.





