الإثنين، 28 سبتمبر 2026 | الموافق ١٥ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ
الرأي

لماذا أصبحت طهران والرياض أهم من صنعاء؟

الدكتور عادل الشجاع "الخلاف بين رئيس المجلس الرئاسي والحكومة يكشف ضعف القرار اليمني والهيمنة الخارجية ومقتل صالح كان ضمن اتفاق دولي"

الحرب في اليمن ليست مجرد صراع على السلطة، ولا هي فقط نتيجة لانقسام سياسي أو جغرافي. في جذورها الأعمق، هي تعبير عن ضعف الرابطة الوطنية وتآكل الهوية المشتركة، حينما يتراجع الوطن في وعي أبنائه، تتقدم العواصم الأخرى لتملأ الفراغ..

على مدى عقود، عملت الأحزاب على شد أتباعها إلى الخارج أكثر مما شدتهم إلى صنعاء. كان الاشتراكي يرى موسكو قبل عدن، والناصري القاهرة قبل صنعاء، والبعثي بغداد أو دمشق قبل وطنه، والإخواني الدوحة أو أنقرة قبل عاصمته. واليوم تتبدل الأسماء والعواصم، لكن المأزق نفسه باق: طهران والرياض وغيرهما حاضرة في حسابات اليمنيين قبل اليمن..

الهوية ليست جواز سفر ولا شعارا يرفع في المناسبات، إنها بصمة ثقافية وفكرية تجعل الإنسان يرى وطنه مرجعيته الأولى. الفرنسي فرنسيا لأن فرنسا، قبل أن تكون دولة، أصبحت في وعيه وطنا جامعا. والروسي روسيا، والصيني صينيا، لأن الدولة تحولت إلى إطار هوية يتسع للخلاف ولا يلغيه..

أما في اليمن، فالولاء يتجه إلى الأشخاص والمشاريع والجماعات قبل أن يتجه إلى الوطن. فمشهد خالد اليماني أمام مبنى الأمم المتحدة يلخص مفارقة موجعة: بالأمس كان يدخلها ممثلا لليمن، واليوم يحمل اللافتة يحثا عن عيدروس الزبيدي، وهناك من يبحث عن عبد الملك الحوثي، أو طارق صالح، أو رشاد العليمي، أو المحرمي، بينما يغيب السؤال الأكبر: أين اليمن؟.

المشكلة ليست أن يختلف اليمنيون، فالاختلاف طبيعي، ولا أن تكون لهم توجهات سياسية متعددة. المشكلة حين يصبح الوطن مجرد أشخاص تتنافس عليهم، وكل واحد يعير الآخر بأن سيده أفضل من سيده..

اليمن لا يحتاج إلى إجماع سياسي بقدر ما يحتاج إلى إجماع وطني: أن يكون اليمن أولا، وأن تصبح صنعاء قبل طهران والرياض وأنقرة والدوحة وموسكو والقاهرة ودمشق..

اليمن لم تمت حين سقطت عاصمتها صنعاء بيد الحوثيين وعدن بيد الانتقالي، بل ماتت حين سقطت صنعاء وعدن من وجدان أبنائها..

الشعب الذي يفقد هويته الوطنية قد يبقى حيا على الأرض، لكنه يفقد المعنى الذي يجعل لوجوده قيمة ومعنى..