الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 | الموافق ١٦ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ
الرأي

النظام الإمامي نظام غير نافع.

مسلسل معاوية محركه سياسي أكثر من كونه درامي

لم أكن أريد الحديث عن ثورة "سبتمبر" بأي حديث، لولا ان قرأت أكثر من منشور يحاول اعادة الاعتبار للإمامة بوصفه نظام كان له منجزاته، وفي المقابل التقليل من ما أنجزته الجمهورية كنظام سياسي واجتماعي. أو هذا ما نفسره، اذا اعتبرنا تلك المقولات محاولة لإعادة قراءة التاريخ بعيدا عن التهويل او المغالاة..

لكن للأسف، تعيد، انتاج نفس الخطاب الثقافي والسياسي الإشكالي في اليمن، بتضمين المقال حججا براقة دون ان يكون لها جذور في الواقع، كما لو كانت أشجار زينة.

في هذا السياق، كان الأكثر اثارة، ما سرده أحدهم، وهو شاب يقدم نفسه كباحث، سبق ان أشار بأن الجمهورية نظام غير صالح لليمنيين. لكنه استخدم حججا رأى بأنها كانت سببا في ما تعرض له، حد تعبيره، النظام الإمامي من إجحاف.

قبل ان اسرد تلك الزينة التي تستعير نظريات جاهزة لتطبيقها على سيرة تاريخية معقدة، لا تحتمل خفة في الطرح، على طريقة ما يتم تداوله في وسائل التواصل الاجتماعية، وان كان ذلك باستحضار نمط خطابي يتطابق مع اللغة البحثية الدقيقة في صياغتها هو تعاليها البورجوازي، بوصفها لغة عملية مقتصدة لا تتسع لأي شعرية، أو انفعال، بصرف النظر عن ما تغفله من نسق تاريخي متعدد الأوجه.

وبالتالي تحيي لنا الإمامة، ككيان او منظومة مفترئ عليها. وذلك من وجهة نظره لأكثر من سبب، مثل ان هذا الكيان المفترئ عليه تعرض لمحاكمة الماضي ضمن معايير اليوم..
وهذه صيغة نقدية جاهزة، أو نظرية نقدية، يجري تطبيقها على كثير من السرديات. لكنها نمط جاهز، يسهل استعارته، وبهذا التعميم المفرط، لا ستخلاص نتيجة بأن كل من عايش تلك الحقبة، وعانى منها الويلات كان مفتريا عليها.

حتى أنه لم يتخذ وجهة نظر مقبولة، أو قابلة للنقاش، تشير إلى أن هناك جزئيات في ذلك العهد، تعرضت لنوع من الافتراء، ضمن معايير اليوم.

مع أن النظام الإمامي، يمكن النظر نحوه كنظام غير نافع، حتى بمعايير القرون الوسطى، وليس بمعايير القرن العشرين، والظروف التي كانت تعيشها البلاد.

أيضا هناك جانب يرى بأن تجاهلنا للمحيط الجغرافي او ما أعتبره (عزل المكان)، ألم أخبركم ان الاستسهال يحيطنا بنماذج كهذه، تستخدم أنماط جاهزة وتحاول احاطتها في سياق نقدي منهجي. بينما يعوزها الكثير من الإحاطة المعرفية بالتاريخ نفسه، وعدم نزعه عن الزمان والمكان، وأيضا ما سبقه من ارهاصات، خلافا لأدبياته وممارساته السياسية والاجتماعية.

واذا أتخذنا من المحيط الجغرافي حجة، فهي تتنافى مع مقصده، باعتبار ان عدن كانت نموذجا يفتح شهية أي حاكم للحداثة. واذا قارنا بين الطابع الإمامي، وسلطنة لحج، سنجد ان مفهوم التحديث كان حاضرا لدى بلاط لحج، رغم محدودية امكانياته، ونقيصته بالتبعية للاستعمار الانجليزي، مقارنة باستقلال الإمام.

واذا أعتمدنا اليوم هذا التشخيص، فإنه يصعب تطبيقه بنفس السياق الذي يستدعيه ذلك الشخص، لأنه بالمقارنة مع محيط يمتاز بازدهار اقتصادي وتحديث على كل الأصعدة، سنلغي الفوارق الانتاجية التي ساهم بها الريع النفطي.

أما مسألة التحديث التدريجي، فهي مسألة واردة لدى أي منظومة حكم مستقرة. لكن مفهوم التحديث واسع، لكن سنأخذه بمفهومه البسيط، والذي تشكل بعد الثورة من خلال بناء منظومة سياسية واقتصادية وتعليمية حديثة، واتخاذ التنمية وبناء الدولة الحديثة شرطا رئيسيا.

من الممكن ان نتفق بأن النظام الإمامي كان سيتبنى بعض الاتجاهات التحديثية، وستشهد البلد بعض مشاريع التنمية، لكن هناك خلل في بنية النظام الإمامي، يحول دون انجاز ما انجزته الجمهورية، وذلك ناتج عن خلل في بنية نظام إمامي لا يزال يتكأ على مفهوم ثيوقراطي.

من جهة أخرى استشهد اخرين، الى انه عهد الإمام، وتحديدا أواخرها شهدت شق بعض الطرق بين المدن الرئيسية. وكأن هذا منجز تاريخي يكفر عن تلك المنظومة الثيوقراطية التي تستند على حكم اكليروسي قروسطي.

بينما جميعنا نعرف بأن الصين شقت اول طريق اسفلتي في شمال اليمن بين صنعاء والحديدة في اواخر عهد الإمام أحمد. خلافا لتعبيد ترابي لطريق صنعاء- تعز.

وهذه النماذج التحديثية المحدودة، تفرضها ظروف عديدة، بما في ذلك ظهور السيارة، واستخدام العربات العسكرية، وهذا يتطلب طريق.

وفي هذا الجانب، نتفق انه في حال استمرار الإمامة، كان متوقع ان تشهد اليمن مشاريع أخرى. لكن في هذا الجانب تفوق النظام الجمهوري، لأن ما يطلبه التحديث التدريجي، اي انتظار النخبة لفهم تحول الزمن، وهو ما التقطته الأنظمة الملكية في الخليج، وتبنت التحديث المؤسساتي والاقتصادي، كان نابع من قلق الثورات، بينما ركنت الإمامة الى عوامل منها تجهيل الشعب.

لكن ما انجزته الجمهورية، هو ثورة بكل المقاييس مقارنة بما كانت تعيشه اليمن، ليس أهمه تلك المنجزات التنموية، وهي لم تكن بالشكل المطلوب، لكن نظام الإمامة جعل اليسير منها ملموسا، لما فرضه على كل أفراد الشعب من عزلة.

كانت الجمهورية أول اعلان يعيد الاعتبار للانسان اليمني، بوصفه يتمتع بكافة الحقوق المتساوية وبمختلف فئاته. بعيدا عن الممارسات التي لم تلغ كل الامتيازات، لكنها استبدلت بعضها. الا ان الجمهورية، أتاحت التعليم والصحة لشريحة واسعة، كانت لا تحصل على أبسط احتياجاتها.

وفي شهادة للفرنسية كلود فايان، وسبق ان استحضرتها في أكثر من مقال، كان هناك ميكرسكوب واحد في صنعاء، في المستشفى الذي اصبح يعرف باسم "الجمهوري"، ولم يكن متاحا استخدامه لفحص عينات دم أي مواطن من عامة الشعب ما لم يحصل على اذن من الأسرة الحاكمة. وحين ارادت فحص عينة ادعت بأن ولد أحد الأمراء مريض، وهذا سمح لها باستخدامه، لتفحص عينة دم مواطن يمني. وينم ذلك عن سيكولوجية غريبة بحاجة لدراسة. فالامتياز بالنسبة لهذا النوع من الحكم، أحقية تأنف ان ترى غيرها من عوام الشعب يتمتع.

كانت الجمهورية، على كل ما انجزته وما اخفقت به، أكثر بكثير من مسألة تتعلق بطريق او مشروع ما. بل أعادت لليمني ذاته المستلبة، بل أسست خطابها على مسؤوليات تمنح المواطن حق التعليم والصحة وكافة حقوقه القانونية والاجتماعية، حتى وان لم تحقق ذلك على الوجه المأمول، بينما الأخرى لم تكن لتعترف بأن للمواطن عليها حقا.

لأن حداثة الجمهورية الأبرز، ما كانت تفتقر له الإمامة ولا يمكن لها ان تسمح له، هو ان تمنح اليمني شعورا بأن له مستقبل، كان ذلك ترفا محظورا، بينما الماضي والغيب فقط هو المتاح له.

هذا حتى لا نفتري على التاريخ. اما ما يحاول البعض فيه ان يضفي على سبتمبر تلك القداسة، دون جعلها تجربة، قابلة للنقاش، أين حققت وأين اخفقت.. وهذا يعني ان نقرأ التاريخ دون حالة انتقائية تستعير نظريات جاهزة، وتكيفها وفقا للأهواء.

لأن الإمامة، في معايير عصر نشؤها، أي أواخر القرن العشر الميلادي، لم تحقق الكثير من المنجزات على المستوى الحضاري والثقافي.

وهذا ما يسوقه صاحب "نسمة السحر" ضياء الدين يوسف بن يحيى الحسني، وهو يتحدث عن بوار الشعر في عهد الحكام الأئمة، الذين أهملوه، باستثناء حد تعبيره الإمام القاسم، وذلك مقارنة بما شهده من رعاية لدى الملوك الزريعيين والصليحيين واخرين..
وهذا فيض من غيض..