«ليس بيني وبين الإمامية خلاف، فلو خرج إمامهم المختفي في السرداب لكنتُ أول من يبايعه؛ إنما أعدائي هم هؤلاء الزيدية، كلما قضينا على تمردٍ ظهر لنا إمامٌ جديد بعمامةٍ وسيف!»..
هكذا تُروى مقولةٌ منسوبةٌ زيفاً إلى هارون الرشيد، يحب الزيدية ترديدها! والحقيقة أن الرشيد توفي سنة 193 للهجرة، بينما قصة «السرداب» لم تبدأ إلا سنة 260 — أي بعد رحيله بسبعة وستين عاماً! فالرشيد مات قبل اختلاق السرداب، لكن العقل السلالي تفتق عن الخرافة ليصوّر سكون الإثني عشرية مذمة، ويجعل «الخروج بالسيف» فضيلة تفتخر بها الإمامة.
هذه المفارقة تضعنا أمام الحقيقة الصادمة: الحوثية لم تهبط بمظلة إيرانية من قُم، ولم تتشيع على المذهب الجعفري؛ بل الحوثية هي الترجمة الحرفية للمذهب «الهادوي الجارودي» الذي ابتُلي به اليمن باسم الزيدية!
ولأن المشهد يستحق التفكيك، فقد تابعتُ نقاشاتٍ لثلاثة باحثين: محمد عزان، والدكتور ثابت الأحمدي، والباحث زايد جابر.
ومن تقاطع أصواتهم، تسقط أكبر كذبة سلالية: أسطورة «الأئمة الذين حكموا اليمن لألف عام»! فالحقيقة التي فككها زايد جابر تؤكد أن الإمامة الهادوية طوال 780 سنة لم تكن سوى «عصابات تمرد» في جيوب جبلية، بينما كان اليمن محكوماً من دول كبرى كالدولة الرسولية.
أما التاريخ الفعلي لحكم هذه الإمامة اليمنَ الطبيعي كاملاً، فلم يكن ألف عام، بل 33 سنة فقط في عهد المتوكل إسماعيل! وما إن استقروا حتى كفّروا أهل اليمن من الشوافع، وألفوا كتاب «إرشاد السامع في جواز أخذ أموال الشوافع».
بل إن إمامهم عبد الله بن حمزة، حين ثارت ضده حركة «المطرفية» التي قالت إن المطر مجرد «بخار ماء يتصاعد من البحار ويتكثف» ولم تصدّق الروايات التقليدية بغير ذلك، أفتى بكفرهم وذبح منهم مائة ألف إنسان وسبى نساءهم! فثارت المدن هرباً من الجباية، وعاد الأئمة يقتتلون حتى اعترف عزان بأن 80% من انتقال السلطة بينهم تم بالحروب والتصفيات!
وحين حاول عزان إنعاش صورة «الزيدية المعتدلة»، واجهه زايد وثابت بالحجة؛ ففرقة «الصالحية» انقرضت في الكوفة ولم تدخل اليمن قط، وما دخل اليمن هو «الجارودية الرسية» التي تحصر الحكم في البطنين وتكفّر المخالفين بكفر «التأويل».
وهنا تتجلى القاعدة: الزيدية أفضل بكثير من الزيود؛ فالمذهب في أصوله حاول أحياناً لبس لبوس العدل والشورى، لكن القوم حين أمسكوا بالسلطة لم يطبقوا سوى شريعة «الصميل» والاستعلاء السلالي.
أما الظن بأن الحوثيين تحولوا إلى «الجعفرية»، فيرد عليه ما رواه عزان عن رفضه في الثمانينيات إعلان «بيعة الزيدية للخميني». فالمذهب الجعفري لا يشترط العرق، بينما الهادوية تقوم على «الامتياز السلالي المطلق»؛ ولهذا حذّر حسين الحوثي أتباعه من الإثني عشرية لأنها تسلبهم شرط النسب، فـ«الشيعة» في قاموسهم هم الأتباع والخدم من أبناء القبائل أو الواجهات السياسية المستأجرة، كمَهدي المشاط وعبد العزيز بن حبتور.
أما عبد الملك الحوثي فهو «الإمام وابن النبي والعَلَم»! ولو تجرأ المشاط أو بن حبتور وحلما بالقيادة الفعلية لانهدم المذهب على رؤوس أصحابه.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا تُعد هذه «الهادوية الحوثية» أشد خطراً من الجعفرية الإيرانية؟
لأن إيران دولة براغماتية تجيد حسابات الخسارة، بينما الهادوية حركة عدمية لا تملك مشروع دولة؛ وحتى عزان أكد أن عشر سنوات من حكمهم لم تنتج سوى المظالم والسجون، ليعلن أن مشروعهم «غير صالح للحياة»! ولأن الجغرافيا المستهدفة عقدياً ليست قُم، بل «الحجاز ونجد» لاستعادة إرث أجدادهم.
وكل حاكم من غير البطنين «غاصب» يجب الخروج عليه، مستبدلةً شروط الفقه بقاعدة الشيخ ناصر بن مبخوت الأحمر عام 1904م، حين تلكأ العلماء لنقص شروط يحيى حميد الدين، فوضع عصاه وقال: «ما نقص من الشروط.. وفّيناه بالصميل!».
إن سرّ هذا الزواج بين «كهف مرّان» و«ملالي طهران» لخّصه الشاعر والوزير الملكي أحمد بن محمد الشامي عام 1979م، عقب ثورة الخميني: قلْ لفهدٍ وللقصورِ العوالي .. إنّنا سادةٌ أُباةٌ أشاوسْ سنعيدُ الإمامةَ للحكمِ يوماً .. إنْ بثوبِ النبي أو بثوبِ ماركسْ وإذا خابتِ الحجازُ ونجدٌ .. فلنا إخوةٌ كرامٌ بفارسْ.
المذهب الهادوي مستعد لأن يلبس عمامة الخميني أو قبعة ماركس، طالما أنها تمده بالسلاح للعودة إلى رقاب اليمنيين. إنها توحّد انتهازي على خصم مشترك: اليمن الجمهوري، والمملكة العربية السعودية، والأمن القومي العربي.
لقد آن الأوان لنكفّ عن البحث عن «زيدية ملائكية» في كوكب زُحل؛ فقطع شرايين الدعم الإيراني لن ينهي المأساة وحده ما لم يُقتلع هذا «المسمار الهادوي» فكرياً ودستورياً من تربة اليمن. وإلا فإن «الصميل» سيبقى هو الدستور، وسيظل ورثة الهادي يفتشون في سماء مرّان عن بخار ماء جديد.. ليبيدوا به شعباً بأكمله!





