الجمعة، 23 أكتوبر 2026 | الموافق ١٠ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ
الرأي

أرشيف الدم والتقية.. من «طبرستان» يحيى الرسي إلى «تمدد» أبي آلاء الولائي!

ما يجري في اليمن ليس معركة عابرة

يحتاج المرء إلى قدرٍ هائلٍ من السذاجة السياسية —أو ربما إلى وظيفةٍ مريحةٍ في مكاتب المبعوثين الدوليين— ليصدق أن جماعةً عقائديةً مسلحةً عمرها أحد عشر قرناً، يمكن ترويضها بتوقيع مسودة سلامٍ في فندق «خمس نجوم»، أو عبر وهم «الاعتزال الاستراتيجي» القائل بترك شمال اليمن للحوثيين والتفرغ للتنمية خلف الأسوار.

فالحركات الأيديولوجية لا تُقرأ من بياناتها الدبلوماسية الناعمة، بل من أمهات كتبها، وتجاربها التاريخية، ومن زلات ألسنة حلفائها حين يجلسون مسترخين أمام الكاميرات.

ولأن الشيء بالشيء يُذكر، فقد تبرع «أبو آلاء الولائي»، زعيم فصيل «كتائب سيد الشهداء» العراقي، بتقديم خدمةٍ مجانيةٍ لكل الحالمين بتدجين الحوثي، حين ظهر على شاشة قناة «المسيرة» الحوثية ليشرح لنا كيف تُدار الدولة الحديثة في قاموس «فصائل الولاية».

الرجل يتذكر بفخرٍ شديدٍ كيف أعلن قبل سبع سنواتٍ —حين كان يشغل منصب قائد عمليات الموصل ويمتلك لواءً رسمياً داخل هيئة الحشد الشعبي— تطوعه وتطوع كتائبه بالكامل جنوداً رهن إشارة «القائد الشاب» عبد الملك الحوثي، مخاطباً إياه بتواضعٍ جمّ: «يا سيدي، اؤمرني حيث تريد وأنى تريد»!

الأطرف في الرواية ليس تطوع مسؤولٍ عسكريٍّ عراقيٍّ رسميٍّ للقتال تحت راية متمردٍ في كهوف صعدة، بل كواليس الاجتماع الذي عُقد حينها في هيئة الحشد الشعبي بحضور أبي مهدي المهندس ورئيس الوزراء العراقي الأسبق حيدر العبادي.

إذ يروي الولائي أن العبادي التفت إليه معاتباً بحسرة رجل الدولة الذي يرى سيادة بلاده تُوزَّع هدايا مجانية: «حجي أبو آلاء، أنت وين ماخذنا لليمن؟ احنا حدودنا حدود العراق».

وهنا، لم يجد «الحجي» عبارةً أبلغ للرد على رئيس وزرائه من استعارة شعار «داعش» الشهير بعد تعديله طائفياً ليصبح: «المقاومة باقية وتتمدد»؛ مبشّراً منذ ذلك الحين بـ«وحدة الساحات»، و«حرب المياه»، و«العمليات المشتركة».

هذا المشهد الكوميدي السوداوي ليس طارئاً على التاريخ؛ فالأيديولوجيا الجارودية السلالية التي تحرك النواة الصلبة للحوثيين تختلف جذرياً عن التشيع الاثني عشري الانتظاري؛ إنها عقيدة هجومية تشترط «الخروج بالسيف» وتحصر الشرعية في «البطنين».

بل إن الخمينية نفسها استعارت منها ثوريتها الحركية المعبَّر عنها بـ«ولاية الفقيه»، قبل أن يعيد «أبو آلاء» تدويرها على شاشة «المسيرة».

ولو كلّف هواة المفاوضات أنفسهم عناء تصفُّح أرشيف الأئمة الممتد منذ أن جاء إمامهم المؤسس يحيى الرسي مستعيناً بجيشٍ من «طبرستان» إيران لقتال قبائل اليمن، لاكتشفوا أنه لا توجد في قاموسهم دولة جوارٍ آمنة، ولا عهدٌ محترم.

فحين احتاج الإمام المتوكل إسماعيل بن القاسم إلى تمويل حروبه، لم يبحث عن قروضٍ من صندوق النقد، بل ألّف كتاباً فقهياً رصيناً لتشريع نهب أموال اليمنيين في تعز وعدن أسماه بكل صراحة: «إرشاد السامع في جواز أخذ أموال الشوافع»!

أما سلفه الإمام المنصور عبد الله بن حمزة، فقد ذهب أبعد من «حرب المياه» التي يبشّر بها الولائي اليوم؛ إذ نصّ في كتابيه المعتمدين «الشافي» و«المجموع المنصوري» على أن مكة والمدينة «ديار كفرٍ مستعمرة» لا بد لدولة آل البيت من السيطرة عليها، مبيحاً عبر فقه «المحتسب» إكراه القبائل على القتال ومصادرة أموالهم شاءوا أم أبوا.

أما اتفاقيات السلام والهدن التي يلهث وراءها الدبلوماسيون اليوم، فليست في تراث القوم سوى «تقية سياسية» لالتقاط الأنفاس قبل الإجهاز على الخصم؛ تماماً كما فعل عبد الله بن حمزة حين صالح فرقة «المطرفية» وأعطاهم الأمان، فما إن اطمأنوا حتى ذبحهم وباع نساءهم، محتجاً بأن قدوته «الهادي الرسي» سبقه إلى هذه «الفضيلة» حين عاهد زعماء قبائل آل يعفر وآل طريف، ثم استدرجهم إلى داره وقتلهم على مائدة الضيافة.

لقد لخّص قاضي قضاة اليمن العلامة محمد بن علي الشوكاني هذه المتلازمة التاريخية بقاعدته الشهيرة: «كل ما يظهرونه من المودة والمهادنة فهي تقية يذهب أثرها بمجرد أن تلوح الفرصة»؛ فكيف يراهن الساسة اليوم على استئمان جماعةٍ ترى في الغدر بالعهود قُربةً إلى الله، بينما يقف حلفاؤها من بغداد إلى صعدة ليعلنوا على الهواء مباشرةً أن حدود الأوطان مجرد تفصيلٍ جغرافيٍّ مملٍّ أمام «مقاومةٍ باقيةٍ وتتمدد»؟