الجمعة، 23 أكتوبر 2026 | الموافق ١٠ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ
الرأي

الرجال لا يتخلون عن المسؤولية والتاريخ لا يكتب بالنوايا وحدها.

التحوث واستعادة الهويه الشافعية من الاخوانيه الوهابيه

عند الرحيل يسقط عن الإنسان كل ما كان يحيط به من مناصب ومظاهر ومصالح، ويبقى عمله وسيرته والأثر الذي تركه في حياة الآخرين. وفي تلك اللحظة تحديدًا يظهر الفرق بين من عاش لنفسه ومن ترك شيئًا يستحق أن يتذكره الناس.

رجال المواقف لا تصنعهم مهارة التخلي عن المسؤولية الإنسانية والوطنية والأخلاقية بدافع الأنانية والعجز، وإنما تكشفهم لحظات الشدائد والمحن حين تصبح المبادئ مكلفة، ويصبح الانحياز إلى الحق أثقل من الصمت والتطنيش.

هم الذين تتسع قلوبهم لجميع الناس، وتستند حياتهم إلى منظومة من القيم الإنسانية والوطنية والأخلاقية والمروءة، تظهر في سلوكهم قبل أن تظهر في خطاباتهم وحذلقتهم.

رجال المواقف يصنعون التاريخ، أما الذين بلا مواقف فقد يأتي بهم التاريخ إلى مواقع المسؤولية والواجهة، وفي لحظة أمانهم من حيث لا يحتسبون يلفظهم كما تلفظ النواة. والتاريخ لا يمنحهم بالضرورة مكانًا مشرفًا في ذاكرته.

فالذاكرة الإنسانية تحتفظ بسلبيات الذين عبروا الحياة طويلًا، كما تتذكر رجال المواقف الذين وقفوا في اللحظة التي كان الوقوف فيها له معنى وقيمة، وحملوا مسؤولية إسناد المناضلين في محنتهم، أولئك الذين سخروا حياتهم في سبيل الوطن، حين كان التخلي عنهم أكثر أمانًا.

لكنهم تمسكوا بقيم الإنسانية والوطنية والأخلاقية حين كان التطنيش والكذب والتسويف والمماطلة والتراجع أكثر ربحًا وراحةً، وتحملوا مسؤولية الواجب والوعد والكلمة حين كان الصمت أسهل الطريق.

التاريخ لا يكتب بالنوايا وحدها، ولا تصنعه الشعارات، ولا المواعيد التي لا تنفذ، ولا الوعود التي تستخدم لتأجيل الاستحقاقات. التاريخ تصنعه الأفعال حين تتحول القيم إلى سلوك، وحين يصبح الموقف قرارًا ينصف مظلومًا ومهضومًا.

ولهذا فإن رجل الموقف ليس هو الأكثر حديثًا عن المبادئ، وإنما هو الذي يثبت عليها عندما تتغير الظروف من حوله. هو الذي لا يجعل صداقاته أو حساباته الشخصية أو الاعتبارات المناطقية معيارًا للحق والباطل.

رجال بلا مواقف لا يقيسون الأمور بميزان المسؤولية، وإنما يرون كل شيء من خلال مصالحهم؛ يرفعون شعارًا اليوم ويتخلون عنه غدًا، ويرون الصواب في كل ما يخدم لحظتهم. هؤلاء قد ينجحون في إدارة مصالحهم لفترة، لكنهم يخسرون شيئًا أكبر مع الزمن: السمعة، والثقة، والوزن الأخلاقي والسياسي والاجتماعي.

فالمال يمكن أن يشتري خدمة، والمنصب يمكن أن يمنح نفوذًا، والسلطة يمكن أن تفرض حضورًا، لكن أيًّا منها لا يستطيع أن يشتري السيرة العطرة.

رجل الموقف لا يخسر شيئًا في حاضره، ويربح غدًا ما هو أبقى من المكاسب: احترام الناس وثقتهم، وحقه في أن يقال عنه إنه كان موجودًا عندما احتاجت اللحظة إلى رجل موقف.

وهنا تكمن قيمة المواقف. فالإنسان لا يعرف نفسه حقًا في أوقات الرخاء، وإنما يعرفها حين تتعارض المصلحة مع المبدأ، وحين يصبح الاختيار بين ما يريده لنفسه وما يراه حقًا للآخرين.

الدول لا تخسر فقط حين يهزمها خصومها، وإنما تخسر أيضًا حين يصبح رجالٌ بلا مواقف مسؤولين فيها أكثر من رجال المواقف أصحاب المبدأ، وحين تتحول المسؤولية إلى وسيلة شخصية أكثر منها وطنية، والمواقف إلى أوراق تفاوض، والوعود إلى أدوات للتسويف.

لذلك تبقى الأوطان بحاجة إلى رجال لا يبحثون عن مكان لهم في التاريخ، وإنما يصنعون بأفعالهم ما يجعل التاريخ مضطرًا إلى تذكرهم.

فالمناصب يمنحها الزمن لأناس كثيرين، أما المواقف فهي التي تمنح أصحابها مكانًا في ذاكرة الناس.