السبت، 24 أكتوبر 2026 | الموافق ١٢ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ
الرأي

هل نبحث عن الحقيقة أم عمّا يؤكد ما نؤمن به

رصاصة الكلمة

يحدث أحيانًا أن نقرأ خبرًا فنشعر بارتياح فوري لأنه يثبت ما كنا نعتقده مسبقًا، بينما نستقبل خبرًا آخر بالشك لمجرد أنه يناقض موقفًا اعتدنا عليه. لا نبحث كثيرًا في مصدر الأول، لأن مضمونه يبدو لنا معقولًا ومألوفًا، لكننا ندقق في الثاني، ونفحص صاحبه، ونسأل عن خلفيته ودوافعه، وربما نفتش عن خطأ صغير يكفي لرفضه كله. في الحالتين قد نظن أننا نمارس التفكير النقدي، مع أن الفرق الحقيقي ربما لا يكون في قوة الأدلة، بل في مقدار توافقها مع ما نريد أن يكون صحيحًا.

هذه النزعة ليست غريبة عن الإنسان، ولا تخص مجتمعًا بعينه. فنحن لا نتعامل مع المعلومات بعقول فارغة، بل نستقبلها ونحن نحمل تجارب سابقة وانتماءات وذكريات ومواقف تكونت عبر سنوات.

ولذلك نميل، من حيث لا نشعر، إلى ملاحظة ما يدعم تصوراتنا أكثر مما نلاحظ ما يناقضها، وإلى تذكر الوقائع التي تثبت حكمنا السابق ونسيان ما يربكه. وقد وصف علم النفس هذه النزعة بميل الإنسان إلى البحث عن الأدلة التي تؤكد اعتقاداته السابقة، لكن أثرها لا يبقى داخل العقل الفردي فقط؛ فهي قادرة، حين تتراكم على مستوى المجتمع، على صناعة عوالم متوازية يرى فيها كل طرف الوقائع من نافذته الخاصة.

في السياق اليمني تصبح هذه المسألة أكثر وضوحًا بفعل سنوات طويلة من الاستقطاب السياسي والاجتماعي والمناطقي. قد يقع الحدث نفسه، ثم تتشكل حوله روايات متعددة لا تختلف فقط في تفسيره، بل في اختيار التفاصيل التي تستحق الظهور أصلًا.

يلتقط كل طرف من المشهد ما ينسجم مع تصوره السابق، ويترك ما عداه في الظل، ثم تتكرر هذه الرواية داخل دوائره حتى تبدو كاملة بذاتها.

ومع الوقت قد يصل شخصان يتابعان الحدث نفسه إلى صورتين مختلفتين تمامًا، ليس لأن أحدهما بالضرورة يكذب والآخر يقول الحقيقة، بل لأن كلًا منهما تلقى جزءًا مختلفًا من الواقع داخل بيئة تؤكد له باستمرار أن هذا الجزء هو الصورة كلها.

ويظهر ذلك بوضوح في أحاديثنا اليومية. في مجلس أو مجموعة عائلية قد يطرح أحدهم خبرًا يؤيد الموقف السائد، فيُقبل بسهولة، بينما يحتاج الخبر المخالف إلى سلسلة طويلة من البراهين حتى يُسمح له بالدخول إلى النقاش.

ليس السبب دائمًا سوء نية، بل لأن الإنسان يشعر براحة أكبر مع المعلومة التي لا تجبره على إعادة ترتيب عالمه الداخلي. الاعتراف بأن معلومة جديدة قد تكون صحيحة لا يعني فقط إضافة حقيقة صغيرة إلى ما نعرفه، بل قد يفرض علينا أحيانًا مراجعة موقف، أو إعادة تقييم شخص، أو حتى الاعتراف بأن حكمًا حملناه سنوات ربما كان ناقصًا. وهذه كلفة نفسية لا يحبها الإنسان بسهولة.

لهذا لا يكفي أن نسأل أنفسنا: هل أبحث عن المعلومات؟ فالجميع تقريبًا يفعل ذلك. السؤال الأصعب هو: ما نوع المعلومات التي أبحث عنها؟ هل أقرأ ما يطمئنني فقط، أم أتعمد أحيانًا النظر في الرأي الذي يزعجني؟ هل أتابع المصادر التي تشبهني وحدها، أم أفتح نافذة على مصادر أخرى حتى لو كنت أختلف معها؟

وهل أتعامل مع الرأي المخالف باعتباره مادة للفحص، أم باعتباره تهديدًا يجب إسقاطه قبل فهمه؟ الفرق بين الحالتين هو الفرق بين من يستخدم المعلومات لتوسيع معرفته ومن يستخدمها لبناء سور حول قناعته القديمة.

وسائل التواصل الاجتماعي جعلت هذا الميل أكثر قوة. فالمستخدم الذي يتفاعل مع نوع معين من المحتوى يجد أمامه المزيد منه، والمنصة تتعلم تدريجيًا ما يجذب انتباهه وما يدفعه إلى البقاء أطول.

ومع الوقت يمكن أن يتحول الحساب الشخصي إلى غرفة واسعة لكنها مغلقة، تمتلئ بأشخاص يشبهون صاحبها في المواقف والاهتمامات، وبأخبار تؤكد له كل يوم أن رؤيته للعالم هي الرؤية الطبيعية والبديهية.

في مثل هذه البيئة لا يحتاج المرء إلى رفض الرأي الآخر، لأنه قد لا يراه أصلًا إلا في صورته الأكثر استفزازًا أو تطرفًا، وهي الصورة التي تجعل رفضه أسهل.

والمفارقة أن كثرة المعلومات لا تؤدي بالضرورة إلى اتساع الرؤية. فقد يمتلك الإنسان اليوم إمكانية الوصول إلى آلاف المصادر، لكنه يستطيع في الوقت نفسه أن يقضي سنوات لا يقرأ إلا ما يوافقه.

لم تعد المشكلة دائمًا في غياب المعلومات، بل في القدرة على اختيارها وفحصها ووضعها في سياقها. وربما لهذا أصبح من السهل أن يشعر كل طرف بأنه الأكثر اطلاعًا، لأن هاتفه يمده يوميًا بعشرات الروابط والمقاطع والشهادات التي تؤكد روايته، بينما يتلقى الطرف الآخر في الوقت نفسه عشرات المواد التي تقوده إلى النتيجة المعاكسة.

ولا يتوقف هذا السلوك عند السياسة. يمكن أن نجده في نظرتنا إلى المناطق والجماعات والمهن وحتى الأشخاص. فإذا حمل الإنسان تصورًا مسبقًا عن جماعة معينة، فإنه قد يتذكر بسرعة كل حادثة تؤكد ذلك التصور، بينما يعامل عشرات الأمثلة المخالفة بوصفها استثناءات لا تغير القاعدة.

شخص واحد يسيء التصرف قد يصبح دليلًا على طبيعة جماعة كاملة، في حين لا يُسمح لعشرات التجارب الإيجابية بأن تصبح دليلًا مضادًا. وهكذا تستمر الصور النمطية لا لأنها تواجه الواقع وتنتصر عليه، بل لأنها تختار من الواقع ما تحتاجه لكي تبقى.

المشكلة هنا ليست في امتلاك قناعات. فالإنسان الذي لا يحمل أي موقف لن يستطيع أن يفهم العالم أو يتعامل معه. المشكلة تبدأ عندما تتحول القناعة إلى فلتر يسمح بمرور ما يؤيدها ويمنع كل ما يهددها. عندها لا نعود نبحث عن الحقيقة بقدر ما نبحث عن الطمأنينة، ولا نستخدم الأدلة لاختبار أفكارنا بل لتزيينها. وتصبح المناقشة محاولة لإثبات أننا كنا على حق منذ البداية، لا فرصة لاكتشاف شيء لم نكن نعرفه.

ربما يكون أصعب اختبار لقناعة ما هو أن نسأل: ما الذي يمكن أن يجعلني أغير رأيي؟ فإذا لم نجد أي إجابة، وإذا كان كل دليل معارض قابلًا للتبرير أو الإلغاء مهما كان قويًا، فإن ما نحمله لم يعد مجرد رأي قابل للفحص، بل أصبح حصنًا مغلقًا. القدرة على تحديد ما يمكن أن يغيّر موقفنا لا تعني ضعف القناعة، بل تعني أننا نترك لها صلة بالواقع، ونقبل بأن الأفكار يجب أن تظل قابلة للاختبار أمام ما يظهر من حقائق جديدة.

ولا يعني ذلك أن نساوي بين كل الآراء، أو أن نشك في كل ما نعرفه، أو أن نتعامل مع الحقيقة كشيء نسبي لا يمكن الوصول إليه. على العكس، البحث الجاد يحتاج إلى معايير: مصدر يمكن التحقق منه، ودليل يمكن فحصه، واستعداد للمقارنة بين روايات متعددة، ووعي بأن قرب المعلومة من رغبتنا لا يجعلها أكثر صحة، كما أن إزعاجها لنا لا يجعلها خاطئة. وقد تكون إحدى أهم المهارات التي نحتاجها اليوم هي القدرة على الفصل، ولو للحظة، بين سؤالين مختلفين: هل أحب أن يكون هذا صحيحًا؟ وهل هو صحيح فعلًا؟

في مجتمع أنهكته الانقسامات، لا تبدو هذه المسألة تمرينًا ذهنيًا فحسب. فطريقة تعاملنا مع المعلومات تؤثر في طريقة تعاملنا مع بعضنا. حين يرى كل طرف أنه يمتلك الحقيقة كاملة وأن الآخر لا يملك إلا الكذب أو الجهل، تصبح مساحة الحوار أضيق، وتتحول الخلافات من اختلاف حول الوقائع إلى أحكام على الأشخاص أنفسهم. أما حين ندرك أن عقولنا جميعًا قابلة للانتقاء والتحيز، فقد نصبح أكثر حذرًا في أحكامنا، وأكثر استعدادًا للاستماع، وأقل ثقة في الصورة الأولى التي تصل إلينا.

قد لا تكون الحقيقة دائمًا مريحة، وربما لهذا السبب يصعب البحث عنها فعلًا. فهي قد تطلب منا أن نتخلى عن رواية أحببناها، أو أن ننصف شخصًا لا نرتاح إليه، أو أن نعترف بأن خصمًا قال شيئًا صحيحًا، أو أن نراجع موقفًا اعتقدنا طويلًا أنه جزء من هويتنا. لكن قيمة الحقيقة لا تأتي من كونها تؤكد ما نؤمن به، بل من قدرتها على مقاومة رغباتنا حين تكون تلك الرغبات أقوى من الأدلة.

وربما لا يبدأ البحث الحقيقي عن الحقيقة من سؤال: ما الأدلة التي تثبت أنني محق؟ بل من سؤال أكثر تواضعًا وصعوبة: ما الذي لا أريد أن أراه لأن رؤيته قد تجبرني على تغيير رأيي؟