رسائل لن تصل أبدًا لأن البريد ممزق، والوجوه شاحبة، والوطن الذي كنا نعرفه أضحى أطلالًا تُباع وتشترى في سوق النخاسة السياسية، لتدون دماء اليمني الكادح قهرًا ينزف على أوراق جراح شعب ضاع في تيهٍ امتد لأكثر من اثني عشر عامًا.
تبدأ المأساة من فصول الصمت المخزي، يوم كان السرطان الحوثي يتحرك في صعدة ونواحيها، بينما وقفت النخب السياسية والأحزاب تتفرج بلا حراك، فمنهم من راهن على غبائه السياسي، ومنهم من تآمر لتصفية حسابات ضيقة، تاركين المليشيا تتمدد وتلتهم الأرض وتدخل كل مدينة ومنطقة متدثرة بمبررات واهية وأكاذيب مفضوحة.
زعموا أولًا أنهم يحاربون التكفيريين في دماج، ثم تظاهروا بإسقاط الجرعة ورفع المعاناة عن الشعب في صنعاء، ورفعوا شعارات مكافحة الفساد لتمرير انقلابهم الأسود، فابتلعوا الوطن قضمًا مستغلين سذاجة المشهد وتخاذل القوى التي ظنت واهمة أنها ستمسك العصا من المنتصف، حتى استفاق الجميع والبلد قد دُفع إلى نفق الحروب المظلم ودخل في دوامة عبثية دفع ثمنها المواطن البسيط من قوته وصحة أطفاله ومستقبل أجياله.
وفي ربيع عام ألفين وخمسة عشر، لاح في الأفق بريق أمل مع انطلاق عاصفة الحزم التي حملت وعودًا بالخلاص واستعادة الدولة خلال أسابيع أو أشهر، فتنفس الشعب الصعداء وقدم التضحيات بقوافل لا تنتهي من الشهداء والجرحى في كل جبهة، لكن هذه الوعود تبخرت وبدلًا من حسم المعركة وتوحيد الصف، تحول المشهد إلى مسرح للعبث والتشتيت، بتشكيلات عسكرية وولاءات ممزقة.
وفرخت قيادات بعدد الرمال تُمنح الرتب والمناصب في الفنادق وتدين بالولاء للممول لا للوطن، وغرقت المكونات المناهضة للانقلاب في شلل وتجاذبات وصراعات جانبية، لتتناسى العدو المشترك الذي يتربص بالجميع. وهكذا أصبحنا أمام واقع مرير وجد فيه الشعب نفسه تايهًا بلا قيادة موحدة تدير المعركة، ولا إعلام موحد يوجه الرأي العام، ولا تحالف موحد يملك رؤية استراتيجية واضحة.
بل والأدهى من ذلك بلا قضية موحدة يجتمع عليها رفقاء السلاح، لتمر السنوات تلو السنوات في تيه وتخبط ومعارك تُدار دون أدنى تخطيط عسكري، تسيل فيها الدماء في جبهات تُفتح وتُغلق وفق صفقات مشبوهة، بينما يتمدد الفساد المستشري والانفلات الأمني كشاهدين على موت ضمير النخبة التي تعيش وعائلاتها في رغد العواصم بينما يطحن الجوع أمعاء الداخل.
فحسبنا الله ونعم الوكيل على هذا الهوان، وإلى متى هذا السقوط الأخلاقي والسياسي المريع؟ إنها دعوة للتعري لا للاستجداء، فلتسقط الأقنعة عن وجوه شرعية هلامية أدمنت الفنادق، ونخب حزبية كسيحة استمرأت العمالة وتاجرت بدموع الثكالى وأنَّات المقهورين! كفاكم ارتعاشًا وارتزاقًا على جثة هذا الوطن المذبوح.
فإما أن تصحوا الآن وتنتفضوا لتوحيد الجبهة الداخلية بصرامة عسكرية تقتلع المليشيا وتطهر الصفوف من لصوص المعارك، وإما أن تتنحوا وتتركوا الراية لرجال الجبهات الصادقين، فالتاريخ لن يرحم المتخاذلين، ودماء الشهداء ستلاحق عاركم في الدنيا والآخرة، ولن يطول صمت هذا الشعب الذي سينفجر بركانًا ليحرق بناره كل من خان وتآمر وباع الأرض والعرض.





