أخطر شيء على السعودية ليس أن الحوثي يمتلك سلاحًا يؤذيها. الأخطر من ذلك أن ينجح في جعلها تفكر وتتحرك على إيقاعه، وهنا يجب أن تبدأ الرياض. السؤال ليس: كم صاروخًا ومسيّرة سندمّر، بل لماذا يبقى التهديد يولد من جديد بعد كل ضربة؟ وكيف يمكن تغيير البيئة التي تمنحها القدرة على إنتاج التهديد؟ وكيف يمكن نقلها من موقع المبادرة إلى موقع الاستجابة؟
أعتقد أن القوي ليس من يملك سلاحًا أكثر أو نارًا أكبر. القوي هو من يفهم الواقع أسرع، ويتكيف معه، ويقرر قبل خصمه. عندها يظل الخصم يتحرك داخل صورة قديمة للواقع، بينما الواقع نفسه قد تغيّر. الحوثيون يفهمون هذه اللعبة جيدًا.
هم لا يستطيعون هزيمة السعودية، ولا يحتاجون إلى هزيمتها. يكفيهم أن يختاروا الوقت والمكان ونوع الضربة. يطلقون مسيّرة رخيصة، فترد الرياض بصاروخ اعتراض يساوي أضعاف ثمنها. يهددون سفينة في البحر الأحمر، فتنتقل الأنظار كلها إلى البحر.
تشتعل جبهة في الداخل اليمني، فتنشغل غرف العمليات بالخرائط. وفي كل مرة تتحرك فيها السعودية، يكون الحوثي قد قرر الحركة قبلها؛ وهذه هي ما تسمى «المبادرة الاستراتيجية»، وهي غير المبادرة العسكرية. قد تربح معركة وتبقى أسير إيقاع عدوك. وقد تخسر موقعًا وتبقى أنت من يكتب جدول الأعمال.
الخطأ الشائع هو التعامل مع الحوثي على أنه مخزن سلاح، وهو في الحقيقة شبكة كاملة: قيادة، وجباية، وتعبئة، وولاءات اجتماعية وسياسية، وخطوط دعم من الخارج.
فتُدمّر منصات الصواريخ وتبقى الشبكة قادرة على إعادة البناء. قد تنقص صواريخ الجماعة الحوثية، لكن تبقى قدرتها على إعادة إنتاج النفوذ كما هي. وقد يخسرون مخازن كاملة، بينما أجهزتهم الداخلية ما زالت تخرّج المقاتلين وتستنزف الناس.
لذلك يتغير مقياس النجاح. ليس بعدد الأهداف الحوثية المحترقة وحسب، وإنما بقياس مدى تراجع قدرتهم على صنع تهديد جديد.
والسؤال الأهم ليس: «كم دمّرنا؟» بل: كيف تتعافى هذه الجماعة بعد كل ضربة؟ من يقرر؟ هل تعتمد على رأس واحد أم على شبكة؟ من أين تعوّض خسائرها؟ وكيف تمسك بالمجتمع والاقتصاد؟
خمسة أعمدة، إذا تم كسرها، تتغير البيئة التي تمنح جماعة الحوثي القدرة على إنتاج التهديد. فهذه القدرة تقوم على خمسة أعمدة، ولكل عمود طريقة لكسره، كالآتي:
الأول: قرار واحد في المعسكر المقابل.
حين تتعدد الجيوش وغرف القرار، يتحول كل خلاف داخلي إلى هدية للحوثي. جيش واحد وقيادة واحدة وخطاب واحد، حتى لو جاء الاتفاق عليها بطيئًا ومؤلمًا، يساوي ألف غارة.
الثاني: نموذج حكم يراه الناس بأعينهم.
المواطن في صنعاء لا تقنعه البيانات. تقنعه مدينة محررة فيها كهرباء، ورواتب في موعدها، ومحكمة لا تُباع. كل خدمة تنجح هناك تهدم حجة الحوثي: «نحن على الأقل نفرض النظام والأمن».
دعم رئيس الجمهورية رشاد العليمي في بناء دولة يمنية متماسكة تحكم وتخدم وتحتكر القرار العسكري هو سلاح السعودية الاستراتيجي. تسحب من الحوثي ورقة «أنا الدولة الوحيدة لأني الأقوى»، وتعطي الناس دليلًا حيًا على أن البديل ممكن. وكثيرون يترددون في دعم التغيير خوفًا من الفوضى أو الانتقام، وحين يرون نموذجًا ناجحًا يتغير حسابهم.
الثالث: تجفيف موارد الحوثي من المفاصل لا من المخازن.
الحوثي لا يملك مصادر المال، بل يملك المفاصل التي تمر منها. وتقدّر واشنطن أنه يجني أكثر من ملياري دولار سنويًا من مبيعات النفط غير المشروعة.
العلاج ليس اقتحام الحديدة، بل جعلها أقل أهمية. فهو يضغط على المستوردين لتحويل الشحنات من عدن إلى الحديدة كي تُسحب الجمارك من الحكومة. اجعل ميناء عدن أسرع وأرخص وأكثر أمانًا، فيذهب التاجر إليه طوعًا.
وركّزوا على الوسطاء: التجار وبيوت الصرافة والموانئ التي تستقبل. فقد رصد مراقبون بحريون سفنًا خاضعة للعقوبات تواصل التحميل في رأس عيسى، ووجهاتها موانئ في الإمارات وعُمان ومصر. أي إن العقوبات وحدها لا تكفي ما لم يُضغط على من يشتري ويحوّل.
وانتبهوا للفخ. الحوثيون يسيطرون على موانئ يصل عبرها الغذاء والوقود للمدنيين. الخنق الأعمى يضرب المواطن أولًا، ثم يعود الحوثي ليقول: انظروا من يجوّعكم. فالضغط يجب أن يسير مع بديل يصل إلى الناس.
الرابع: كسر احتكار الرواية.
الحوثي يبيع الخوف من الخارج والسيادة ضد العدوان، ويربح كلما سقطت قنبلة. الرد لا يأتي من إعلام سعودي يخاطب اليمنيين من فوق، بل من أصوات يمنية مستقلة تقول للناس ما يعيشونه فعلًا: إعلاميون وأكاديميون وناشطون.
الخامس: الضغط من الداخل.
الجماعة ليست كتلة صماء. فيها قبائل مرهقة وموظفون بلا رواتب وولاءات تُشترى وتتبدل. من يفهم هذه الشقوق يعرف أن الضغط السياسي والاقتصادي قد يفعل ما لا تفعله الطائرات.
لن يسقط الحوثي غدًا. مصادره متنوعة، فهو لا يعتمد على إيران وحدها، وجزء كبير من الإيرادات الضريبية اليمنية يُجمع في مناطقه. هذا طريق طويل، لكنه الطريق الوحيد الذي لا يجعل كل ضربة سعودية بداية لدورة جديدة.
عمومًا، لا يكفي أن تقرر أسرع من خصمك، بل يجب أن تتكيف مع التغييرات التي تصنعها أنت نفسك. فإذا بقيت السعودية ترد على كل ضربة بردّ منفصل، سيظل الحوثي ينقل المعركة من ميدان إلى ميدان كما يشاء. أما إذا ربطت الدفاع العسكري ببناء دولة يمنية قوية وبتغيير الأرض السياسية والاقتصادية، فإنها تبدأ في تغيير قواعد اللعبة من جذورها بدل إدارة نتائجها.
التفوق الحقيقي ليس أن ترد على كل تهديد، بل أن تغيّر الظروف التي تجعل التهديد ممكنًا أصلًا. اجعل الحياة خارج سيطرة الحوثي أسهل من الحياة داخلها. حين يفضّل التاجر والمواطن والمقاتل المنفذ الآخر، يفقد الحوثي إيقاعه. فالمعركة الأهم ليست بين من يطلق الصاروخ ومن يعترضه. هي بين من يملك القدرة على صياغة الواقع الذي ستُخاض فيه المعركة القادمة.





