كيف تحاول مصر احياءً قناة السويس من جديد

أخبار عربية
متابعات+

كان الرجال في غرفة التحكم بالقناة يحدّقون في شاشات الرادار، ويراقبون تقدّم الأيقونات الصفراء الثمينة.

سرعان ما ظهرت السفينة أمالثيا في الأسفل على ضفة قناة السويس، محمّلةً بارتفاعات شاهقة من حاويات الشحن، وهي تنساب بهدوء عبر المياه الساكنة في رحلتها من البحر المتوسط نحو البحر الأحمر.

غير أنّ عبور السفينة الهادئ كان يخفي وراءه اضطرابًا جيوسياسيًا هزّ هذا الشريان الحيوي للتجارة العالمية لأكثر من عامين، وألحق بمصر ضربة اقتصادية قاسية.

بدأت الأزمة في خريف عام 2023، عندما شرع متمردو الحوثي في اليمن في مهاجمة السفن التجارية في البحر الأحمر، ردًّا على حرب إسرائيل في غزة.

وقد دفع هذا الخطر شركات الشحن الكبرى إلى تغيير مساراتها والدوران حول جنوب أفريقيا، ما زاد زمن الرحلات وكلفتها، وحرم مصر، وفق تقديرات مسؤولين مصريين، من نحو 13 مليار دولار من رسوم القناة على مدى عامين، وهي عملة أجنبية كانت في أمسّ الحاجة إليها.

ومن خلال إحداث فوضى في سلاسل الإمداد العالمية، أظهر الحوثيون المدعومون من إيران، الذين كانوا حتى وقت قريب لاعبين ثانويين على الساحة الدولية، مدى هشاشة اقتصاد الدولة العربية الأكثر سكانًا أمام الصدمات الخارجية، وقد غذّى هذا الألم الاقتصادي اندفاعة مصر الدبلوماسية للتوسط من أجل التوصل إلى تسوية للحرب في غزة.

وفي الأشهر الأخيرة، وبعد أن توصلت إسرائيل وحماس إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في منتجع مصري في أكتوبر، حاولت مصر، بنجاح متباين، استمالة شركات الشحن للعودة، مستخدمة حوافز مالية وخدمات جديدة وحالة الهدوء التي سادت البحر الأحمر منذ الهدنة من اجل الترويج للقناة.

وقد بدأت تلك الجهود تؤتي بعض ثمارها، فالسفينة أمالثيا التي ترفع العلم البرتغالي كانت واحدة من 48 سفينة عبرت القناة في يوم واحد الشهر الماضي، بحسب حازم يوسف، كبير مراقبي الحركة في هيئة قناة السويس، ومنذ دخول وقف إطلاق النار في غزة حيّز التنفيذ، يعبر القناة في المتوسط نحو 45 سفينة يوميًا، مقارنة بمتوسط يومي بلغ نحو 35 قبل الهدنة، على حد قوله.

ومع ذلك، لا يزال هذا الرقم أدنى بكثير من متوسط 70 سفينة يوميًا قبل حرب غزة.

بدأت بعض شركات الشحن الكبرى العودة إلى هذا المسار، ولكن لا تزال شركات أخرى مترددة، نظرًا لهشاشة وقف إطلاق النار في غزة.

شريان حياة للدولار

شُيّدت قناة السويس بأيدي مصريين، كان كثير منهم عمال سخرة، ودُشّنت عام 1869 كمشروع إمبراطوري أفاد بالأساس بريطانيا وفرنسا، غير أنّه منذ أن أمّم جمال عبد الناصر، رائد القومية العربية والرئيس الثاني لمصر، القناة عام 1956، أصبحت الممر المائي مصدرًا رئيسيًا للفخر والعائدات لمصر.

ويقول تيموثي كالداش، نائب مدير معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط في واشنطن، إن قناة السويس تمثّل "شريان حياة" لجذب الدولارات اللازمة لتمويل استيراد السلع الأساسية وسداد الدين الحكومي، وقد تدفع سفينة حاويات كبيرة نحو مليون دولار للسلطات المصرية مقابل عبورها القناة.

وأطلق الرئيس عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عقد مشروعًا بقيمة 8.6 مليارات دولار لتوسعة القناة وزيادة أحجام السفن التي يمكنها استيعابها، وعندما عطّلت جائحة فيروس كورونا الشحن العالمي، وبعد أن علقت سفينة حاويات عملاقة لفترة وجيزة في القناة عام 2021، ما أربك سلاسل الإمداد الدولية، قدّمت السلطات المصرية خصومات لشركات الشحن ووسّعت القناة أكثر، وفق ما قاله الفريق أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السويس، في مقابلة من مقر الهيئة الرسمي في الإسماعيلية الشهر الماضي.

وقد تعافت القناة لاحقًا وحققت إيرادات قياسية بلغت 10.2 مليارات دولار في عام 2023، حين مرّ عبر الممر المائي ما بين 12 و15 في المئة من التجارة البحرية العالمية، بحسب هيئة الأمم المتحدة المعنية بالتجارة والتنمية.

ثم جاءت هجمات الحوثيين، التي تركزت في البحر الأحمر إلى الجنوب البعيد من القناة، ففي نوفمبر 2023، استولى متمردو الحوثي على سفينة الشحن غالاكسي ليدر، التي كانت على صلة برجل أعمال إسرائيلي، واحتجزوا 25 بحّارًا، بحسب تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي).

وقال أسامة ربيع: "بمجرد وقوع أحداث غالاكسي ليدر، شعرنا بأن متاعب ستقع في البحر الأحمر. كان الأمر أشبه بحريق ينتشر"، وقد كان محقًا، إذ نفّذ الحوثيون، وفق بيانات صادرة عن مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة (ACLED)، وهو جهة مراقبة عالمية، 178 هجومًا على سفن تجارية في البحر الأحمر على مدى العامين التاليين، وأسفرت تلك الهجمات عن إغراق ما لا يقل عن أربع سفن ومقتل ما لا يقل عن تسعة بحّارة.

وقفزت أقساط التأمين على الشحن البحري ارتفاعًا حادًا، وقررت العديد من شركات الشحن الكبرى تغيير مساراتها والدوران حول رأس الرجاء الصالح.

ويقول بيتر ساند، كبير المحللين في شركة «زينيتا» لتحليل أسواق الشحن، ان تجاوز المسار المختصر عبر قناة السويس بين آسيا وأوروبا أضاف في المتوسط نحو شهر كامل إلى زمن الرحلة.

ولم تفلح العمليات العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كثيرًا في ردع الحوثيين، وإن كانت حملة قصف أمريكية واسعة ضدهم في الربيع قد أفضت إلى هدوء مؤقت، غير أنه في يوليو، أغرق الحوثيون سفينتين إضافيتين، ما أسفر عن مقتل أربعة بحّارة واحتجاز 11 آخرين لأشهر.

وقال هشام يوسف، الدبلوماسي المصري السابق، إن العجز في الإيرادات الذي تسببت به هجمات الحوثيين دفع مصر إلى تكثيف جهودها الدبلوماسية لإنهاء الحرب في غزة.

وتنفّس مسؤول مصري سابق مقرّب من دوائر صنع القرار الصعداء في أكتوبر، عندما ساعدت مصر بنجاح في التوسط للتوصل إلى وقف إطلاق النار في غزة، وقال آنذاك لمراسل صحيفة واشنطن بوست، مشترطًا عدم الكشف عن هويته للحديث عن محادثات حساسة: "سنحصل على كامل إيرادات قناة السويس وسيُطبَّق السلام وسنتمكن من الاهتمام بشؤون بلدنا".

استمالة الأعمال

غير أن محللي الشحن يرون أن تحقيق ذلك قد يكون أسهل قولًا من فعل، في ظل تقلبات الحوثيين وهشاشة وقف إطلاق النار في غزة.

وقال ربيع إن هيئة قناة السويس تعمل على استمالة شركات الشحن عبر تقديم خصم بنسبة 15 في المئة لسفن الحاويات الكبيرة، والترويج لخدمات جديدة تشمل خيارات الإخلاء الطبي لأفراد الطواقم، وإصلاح السفن التي تتعرض لهجمات، إضافة إلى خدمة تتيح للشركات تبديل الطواقم في مصر، وتأمل الهيئة كذلك أن تسهم محطات التزوّد بالوقود المخطط لها في تعزيز جاذبية قناة السويس.

وتعمل مصر على المدى الأبعد، على تطوير منطقة اقتصادية جديدة لقناة السويس، وقد حققت بالفعل بعض النجاح في استقطاب الاستثمارات الصناعية الأجنبية.

وقال ربيع إن حركة العبور آخذة في الازدياد وإن الإيرادات بدأت تتحسن، مضيفًا أنه يعتقد أن الخصومات لعبت دورًا في ذلك.

وقد أرسلت الشركة الفرنسية CMA CGM عددًا من سفن الحاويات عبر القناة في أواخر العام الماضي، وأعلنت عودتها إلى قناة السويس على ثلاثة من خطوطها الملاحية اعتبارًا من هذا الشهر، واعتبر ساند أن هذه الخطوة ذات دلالة، وإن كانت CMA CGM ليست شركة تقود الاتجاه العام في القطاع.

وأعلنت العملاقة الدنماركية ميرسك الأسبوع الماضي أنها ستستأنف العبور المنتظم عبر قناة السويس على أحد خطوطها، الذي يربط الشرق الأوسط والهند بالساحل الشرقي للولايات المتحدة وهو الأمر الأكثر تفاؤلًا، وجاءت هذه الخطوة بعد أن أرسلت ميرسك سفن حاويات أولية لاختبار الأوضاع في ديسمبر ومطلع هذا الشهر.

ومع ذلك، لم تُعلن شركات كبرى أخرى، من بينها شركة البحر المتوسط للشحن (MSC) وهاباغ-لويد، عن العودة حتى الآن، مشيرة إلى الغموض الذي يلفّ الوضع الأمني في البحر الأحمر.

ويقول نيل روبرتس، رئيس قسم الشحن البحري والطيران في رابطة سوق لويدز التي توفر معلومات لمكتتبي التأمين البحري: "الخصم لا يساعد في شرح الأمر لأراملٍ مفجوعات لماذا قُتل أفراد الطاقم".

وقال ربيع إنه يتوقع أن تبدأ عودة تدريجية لحركة الشحن العالمية اعتبارًا من هذا الشهر وتستمر حتى أغسطس إذا صمد وقف إطلاق النار في غزة، وأضاف: "ثم اعتبارًا من أغسطس المقبل، إذا ظلت الأمور على حالها، فربما يستأنف الجميع العبور وتعود الأوضاع إلى طبيعتها".

وماذا لو انهار وقف إطلاق النار؟ ضحك ضحكةً ساخرة وقال: "لا أحتاج إلى التفكير في ذلك".

وكان الحوثيون قد أشاروا إلى نيتهم استئناف هجماتهم في البحر الأحمر إذا استأنفت إسرائيل الحرب في غزة.

ولسوء حظ مصر، ليست حرب غزة وحدها عاملًا غير متوقع، فقد هاجم الحوثيون أيضًا سفنًا تجارية خلال العامين الماضيين كلما تعرض راعيهم، إيران، لتهديدات، بحسب لوكا نيفولا، كبير محللي اليمن في مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة (ACLED).

وقال نيفولا: "أتوقع أنه إذا هاجمت الولايات المتحدة أو إسرائيل إيران، فسنشهد ردًا حوثيًا في البحر الأحمر".

وأضاف ساند أن إعادة توجيه سلاسل الإمداد عملية معقدة وتستغرق شهورًا، وقال: "لا ترغب أي شركة شحن في العودة إلى البحر الأحمر، ثم تضطر إلى مغادرته مرة أخرى"، وتابع: "لذلك، حين تعود، فإنها تريد أن تعود لتبقى".

المصدر: واشنطن بوست
زر الذهاب إلى الأعلى