رأت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، أن إحجام دونالد ترامب عن الانخراط في صراع السعودية مع المتمردين الحوثيين في اليمن ،خلق مزيدًا من التوتر إلى العلاقة بين واشنطن والرياض، وهي علاقة اهتزت بالفعل بسبب طريقة إدارة الولايات المتحدة حربها مع إيران.
وحسب الصحيفة فإن الرئيس الأميركي يتردد حتى الآن شنّ عمل عسكري جديد لمساعدة السعودية، في جهودها لوقف هجوم الحوثيين على البنية التحتية للمملكة، في ظل الضغوط الناجمة عن ارتفاع أسعار البنزين وتراجع شعبية الصراع مع طهران.
لكن مثل هذا التردد االذي أظهره ترامب يهدد بإثارة توترات مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ويعزز الشكوك بشأن مدى موثوقية واشنطن بوصفها الشريك الدفاعي الرئيسي للرياض.
منى يعقوبيان، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن أعتبرت أن : "الولايات المتحدة مترددة، وقرارها في نهاية المطاف، على الأقل في الوقت الراهن، بعدم الانضمام إلى السعوديين لا يفعل سوى إضافة مزيد من التوتر إلى العلاقة الثنائية" وأضافت: "هذا يثير لدى السعوديين مزيدًا من التساؤلات بشأن الدور الذي يمكنهم الاعتماد على الولايات المتحدة للقيام به".
وقالت الفريق المتقاعد كارين غيبسون، المديرة السابقة للاستخبارات في القيادة المركزية الأميركية: "محمد بن سلمان لن ينسى هذا"، مضيفة أن تردد الإدارة يثبت أن "الولايات المتحدة لن تقاتل بالضرورة عندما ترى السعودية أن مصالحها الحيوية مهددة".
وكانت السعودية قد طلبت من الولايات المتحدة في مناقشات جرت مؤخرًا، شنّ غارات جوية على الحوثيين المدعومين من إيران، على ألا تكون ضربة واحدة ومحدودة، بحسب شخص مطلع على الأمر، لكن واشنطن ردّت بأنها لن تشارك. ولم يردّ البيت الأبيض على طلب للتعليق.
ويمثل الخلاف بين الولايات المتحدة والسعودية بشأن التحرك المشترك ضد الحوثيين ،فصلًا جديدًا في العلاقة المتقلبة أحيانًا بين ترامب ومحمد بن سلمان، وهي علاقة تراوحت بين لحظات من الإشادة المتبادلة الحارة وفترات من التوتر.
وكان ترامب قد خصّ الأمير محمد بالحديث خلال كلمة ألقاها في مؤتمر استثماري تستضيفه السعودية في ميامي في مارس، وقد أثنى على ولي العهد السعودي في البداية، واصفًا إياه بأنه "صديق عظيم" و"منتصر"، و"محارب"، لكن بعد 20 دقيقة، قال ترامب إن الأمير محمد "لم يكن يعتقد أنه سيأتي ليقبّل مؤخرتي"، في مثال على السلوك الفج وغير المتوقع للرئيس الأميركي.
وتعرضت السعودية لعدة هجمات على بنيتها التحتية في إطار ضربات إيرانية انتقامية خلال الحرب مع إيران، كما تكبدت تداعيات اقتصادية نتيجة إغلاق مضيق هرمز، الممر المائي الاستراتيجي الذي يربط الخليج بالعالم الخارجي.
وأوقف ترامب في مايو، بشكل مفاجئ خطة عسكرية أميركية لمرافقة السفن التجارية عبر المضيق، بعدما أبلغت السعودية واشنطن بأنها لن تسمح للطائرات الحربية الأميركية باستخدام قواعدها أو مجالها الجوي في العملية.
وكانت الرياض تخشى أن تكون العملية سيئة التخطيط وأن تؤدي إلى هجمات أكبر على دول الخليج.
ثم أعاد الحوثيون السعودية إلى صراع سعت طويلًا إلى الخروج منه، بعدما أعلنوا في يوليو حصارًا على الموانئ السعودية، وهاجموا ناقلات، وأطلقوا صواريخ وطائرات مسيّرة على المملكة.
وصعّد الحوثيون هجماتهم خلال الأسبوعين الماضيين فاستهدفوا منشآت نفطية سعودية في جنوب المملكة، وشنّوا هجومًا خاطفًا على امتداد الساحل الغربي لليمن على البحر الأحمر، ما أدى إلى تراجع فصائل مدعومة من السعودية وموالية للحكومة اليمنية، وعزز سيطرة الحوثيين على مضيق باب المندب، وهو ممر مائي حيوي للملاحة الدولية.
وأطلق الحوثيون صاروخًا باليستيًا على الرياض، العاصمة السعودية، للمرة الأولى منذ استئناف الصراع.
ويرى الأمير محمد، الذي كان قد حذّر ترامب، مثل غيره من قادة الخليج، من خوض حرب مع إيران، نفسه الآن في مواجهة أزمة يسعى إلى احتوائها، وسط مخاوف من أن تقوض خططه الطموحة لتحويل بلاده إلى مركز إقليمي للمال والتجارة والسياحة.
وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملات عسكرية ضد الحوثيين في عهدَي ترامب وجو بايدن ردًا على هجمات الجماعة على السفن التجارية في البحر الأحمر، لكن إدارة ترامب تواجه الآن ضغطًا على مواردها واستنزافًا في مخزونات الذخائر، إلى جانب التداعيات السياسية الناجمة عن الاضطرابات في الشرق الأوسط.
وقالت ليز دنت، الباحثة البارزة في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: "سيكون من الصعب جدًا على [ترامب] الانخراط في جبهة أخرى من هذه الحرب" قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية في نوفمبر، لكنها قالت إنه "من الممكن جدًا أن يكون [محمد بن سلمان] يقلّص طلباته تدريجيًا، وأن يرى ترامب في مرحلة ما خيارًا يمكنه قبوله سياسيًا".
وأضافت دنت، التي سبق أن شغلت منصب مديرة شؤون الخليج وشبه الجزيرة العربية في مكتب وزير الدفاع الأميركي: "هناك الكثير مما يجري خلف الكواليس ويسهم في الحفاظ على هذه العلاقة".
ولا تتدخل الولايات المتحدة بشكل مباشر لدعم العمليات السعودية ضد الحوثيين، إلا انها لا تزال تزود المملكة بالأسلحة والمعلومات الاستخباراتية، ما يحدّ من تداعيات الخلاف على العلاقة بين البلدين، كما تمتلك السعودية أنظمة دفاع جوي أميركية.
ووافقت إدارة ترامب الأسبوع الماضي، على صفقة محتملة لبيع السعودية مقاتلات من طراز (إف-35) بقيمة 24.3 مليار دولار، رغم أن تسليمها سيستغرق سنوات.
وقال محلل سعودي طلب عدم الكشف عن اسمه: "هناك قدر من الإحباط، لكن هناك أيضًا إدراكًا بأن هذه هي طبيعة [ترامب]"، وأضاف: "السعودية لديها كل القدرة اللازمة لقصف كل شيء، والولايات المتحدة تزودنا بمعلومات الاستهداف التي نحتاج إليها".
وأضاف المحلل أن مشاركة الطائرات الأميركية كان من الممكن، رغم ذلك، أن "تحمل دلالة رمزية في الأيام الأولى [من الحرب] وأن ترفع معنويات المقاتلين اليمنيين".
وقال أسعد الشملان، من معهد الأمير سعود الفيصل للدراسات الدبلوماسية، إن العلاقات بين الرياض وواشنطن لا تزال "في حالة جيدة جدًا"، لكنه أشار إلى أنه بينما يُنظر إلى الحوثيين في الولايات المتحدة وأوروبا "بالدرجة الأولى" باعتبارهم مشكلة سعودية، فإنهم يُنظر إليهم في الرياض على نحو أكبر بوصفهم "تحديًا دوليًا".
وقال: "التوتر بين هذين التصورين يمكن أن يفسر كثيرًا من الأمور، من بينها رغبة السعوديين في أن يتحمل الآخرون مسؤولية أكبر، وتردد الآخرين في الانخراط".
وبعد أن أنهى الحوثيون هدنة استمرت أربع سنوات مع السعودية، أجرت إدارة ترامب محادثات مع الجماعة المتمردة بوساطة عُمانية.
وقال مسؤول حوثي لوكالة أسوشيتد برس إن الجماعة تستهدف السفن السعودية فقط، ولن تهاجم السفن الأميركية أو غيرها من السفن الدولية، كما أكد ترامب أن الحوثيين وافقوا على عدم استهداف أهداف أميركية.
لكن منى يعقوبيان قالت إن ذلك "لا يبعث على ثقة كبيرة في الشراكة» إذا كانت السعودية «ستُترك وحدها لأن الأصول الأميركية ليست مهددة حاليًا بهذا الهجوم الحوثي".
وقال فراس مقصد، المدير العام لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة يوراسيا، إن "التوتر أمر لا مفر منه" مع تراجع واشنطن عن دورها التاريخي بوصفها الشريك الأمني الرئيسي لدول الخليج.
وأضاف: "الفراغ الذي تتركه سيخلق فرصًا أمام المنافسين الاستراتيجيين"، وتابع: "الرياض تعمل منذ فترة على تنويع شركائها الأمنيين، بالتوازي مع محاولة التوصل إلى صيغة تعايش غير مريحة مع طهران. والتوتر في علاقتها مع واشنطن قد يسرّع هذه العملية".





