‏لماذا تختلف تأثيرات نزلات البرد من شخص الى اخر؟

الصحة
متابعات +

عندما تجتاح نزلةُ البرد الشائعة أسرةً ما، يمكن أن تخلف مسارًا غير متكافئ على نحو لافت من الأعراض.

فالفيروس الانفي المسبّب للبرد، قد لا يتعدّى إحداث عطسة خفيفة لدى شخص، بينما يتسبّب لدى آخر في أسبوع كامل من المعاناة مع انسداد الأنف، وقد يثير لدى آخرين سعالًا وصعوبة في التنفّس قد تفضي إلى دخول المستشفى.

لفهم كيف تتطوّر هذه الإزعاجات الشتوية، ولماذا تتباين على هذا النحو، وكيف يمكن التخفيف من حدّتها، عمد باحثون في كلية ييل للطب إلى استنبات نماذج مصغّرة للممرات الهوائية الأنفية، واشرفوا طوال أربعة أسابيع على نمو خلايا جذعية أنفية لتتحوّل إلى عضيات (أورغانويدات)، وهي نسخ صغيرة من الواجهة بين أنوفنا والهواء، تضم خلايا تُنتج المخاط أو خلايا تحمل زُغيبات دقيقة تُسمّى الأهداب، تنبض بإيقاع متموّج لتحريك المخاط والفضلات، ثم أصاب العلماء هذا النموذج بفيروس انفي، وهو سبب شائع لنزلات البرد، وتوصّل الباحثون بعد فحص آلاف الخلايا الفردية، إلى أن العامل الحاسم ليس الفيروس ذاته، بل تعقيدات الاستجابة داخل آلاف خلايا الممرات الأنفية، التي تحدّد ما إذا كان الزكام سيُقمع سريعًا أم سيتفاقم إلى أمرٍ أكثر خطورة.

ففي دراسة نُشرت يوم الاثنين في مجلة Cell Press Blue، قال الباحثون إن الإنتاج السريع لبروتين يُسمّى (الإنترفيرون) من الخلايا المصابة أبقى الفيروس الانفي تحت السيطرة، ما سمح له بإصابة أقل من 2% من الخلايا، وعندما كبَحوا الإنترفيرون، أُصيبت قرابة ثلث الخلايا، وتكاثر الفيروس، عندها تدخّل مستشعر مناعي مختلف، وارتفعت الجزيئات المرتبطة بالالتهاب، ودخل إنتاج المخاط في حالة افراط، وتباطأ نبض الأهداب.

ويقول باتريك ميتشل، الأستاذ المساعد في علم الأحياء الدقيقة بجامعة واشنطن، الذي لم يشارك في الدراسة: "جزء من سبب قوة نظامهم النموذجي هو أنه اختزالي؛ إذ يتيح لهم كشف الكيفية التي تكون بها هذه المسارات إمّا مترابطة، أو كيف يمكن لأحدها أن يتولّى الدور في غياب الآخر".

من جانبه، يقول سيباستيان جونستون، أستاذ طب الجهاز التنفّسي والحساسية في المعهد الوطني للقلب والرئة بكلية إمبريال في لندن، والذي لم يشارك أيضًا في الدراسة، إن جدية العمل لا تكمن في أي نتيجة منفردة، بل في الطريقة التي يجمع بها القطع معًا ليضيء التسجيل الدقيق لاستجابة الجهاز المناعي لعدوى الفيروس.
ويضيف جونستون: "ما يفعله هذا النظام هو أنه يجمع القصة في صورة شاملة ومتقنة للغاية مستخدمًا أحدث التقنيات" ويتابع "إنه عمل جميل بالفعل، وقد أوصل الرسالة على النحو الأمثل تمامًا".

السعي الطويل لإيجاد علاج لنزلة البرد الشائعة
ليس من المستغرب أن تكون الإنترفيرونات (مجموعة من البروتينات التي تطلقها الخلايا عند اصابتها بفيروس) عنصرًا أساسيًا في الاستجابة الأولية للعدوى، فقد بدأت فكرة استخدام هذه العائلة من البروتينات التي يطلقها الجسم لمكافحة الأمراض، كعلاج لنزلة البرد الشائعة تكتسب زخمًا في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، حين ساد أملٌ بأن يكون علاج جميع الالتهابات الفيروسية في متناول اليد، غير أن الجهود الرامية إلى استخدام الإنترفيرون علاجًا للبرد تعقّدت بسبب آثاره الجانبية، وبسبب صعوبة توقيت إعطائه في مرحلة مبكرة كافية من العدوى.

وتقول إيلين فوكسمن، الأستاذة المشاركة في طب المختبرات وعلم المناعة الحيوية بجامعة ييل، التي قادت هذا العمل: "يُعدّ الفيروس الانفي موضوعًا صعبًا للدراسة، فهو على الأرجح أكثر الفيروسات التنفّسية شيوعًا لدى البشر، لكنه لا يُصيب الحيوانات الأخرى فعليًا"، وتتيح النماذج التي تطوّرها فوكسمن تفكيك مسار العدوى خليةً بعد اخرى، وفهم كيفية نشوئها وكيفية إبقائها تحت السيطرة، بما يفتح باب الأمل أمام علاجات محتملة، وتضيف: "المفتاح هو كيفية تهيئة تلك الاستجابة لتحدث".

ويأمل فريقها في فهم العوامل التي تؤدي إلى استجابة قوية للإنترفيرون لدى بعض الأشخاص دون غيرهم، كما يثير اهتمامها أن خلايا الممرات الهوائية، عندما تُحجب استجابة الإنترفيرون، تستشعر الفيروس عبر وجود إنزيم فيروسي مختلف، ما يطلق استجابة التهابية قد تشكّل هي الأخرى هدفًا علاجيًا.

وتقول فوكسمن: "يتسبّب ذلك في إنتاج كميات كبيرة من المخاط، والسعال والعطاس، وإنتاج المخاط هو الطريقة التي ينتشر بها الفيروس"، وأضافت: "عندما تحدث هذه الأعراض في الرئة، فإنها تسدّ المجرى الهوائي، وعندما تحدث في الأنف، فهي ما يسبّب نزلة البرد"، وهناك سبب يجعل نزلة البرد تحديًا صعب الحل: ففصل الاستجابات المناعية لمعرفة أيّها مفيد، وأيّها يساعد على السيطرة على العدوى، وأيّها يسهم في زيادة حدّة الأعراض، ليس أمرًا بسيطًا.

وتقول فوكسمن في الختام: "لو كانت هذه مشكلة سهلة الحل، لكانت قد حُلّت منذ زمن بعيد، فالطريقة الأنيقة التي يحارب بها الجسم هذه العدوى في وقت مبكر جدًا، وبشكل محدود للغاية قبل أن تتفاقم، ليست شيئًا نستطيع محاكاته في الوقت الراهن".

المصدر: الواشنطن بوست
زر الذهاب إلى الأعلى