حميد عقبي + اليمني الجديد
في مدينة بيت الفقيه الساحلية التهامية، ذات العمق الثقافي الممتد لسبعة قرون، تنبت مواهب فنية كثيرة، بعضها يظهر قليلًا ثم يختفي، لكن بعضها يبقى حاضراً في ذاكرة الناس رغم غياب المؤسسات عنه. ومن بين هذه الأصوات يبرز الفنان والمغني والملحن محمد جاوي كواحدٍ من أجمل المواهب التهامية التي، للأسف، لم تنل حقها من الإنصاف والاهتمام.
برز محمد جاوي منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي، وتحديدًا قرابة عام 1998، حين جلس مع فرقته لأكثر من شهر في صنعاء لتسجيل سهرة تلفزيونية. كان ذلك، في ظني، فرصة مهمة كي يظهر صوت تهامي مختلف على شاشة رسمية يمنية، لكن ما حدث كان أقرب إلى الإهمال والتجاهل. وكأن أبواب الفضائية اليمنية وإذاعة صنعاء لم تكن مفتوحة حقًا للمواهب القادمة من تهامة. قضى الجاوي وفرقته أيامًا عصيبة في صنعاء، ولم يتمكنوا من تسجيل أي أغنية.
ومنذ تلك التجربة، لم يسجّل بعد ذلك أو شارك في برنامج تلفزيوني يمني، وحتى رغم تكاثر القنوات الفضائية، وكانت بعض البرامج تنزل في المناسبات، فإنهم غالبًا ما يطلبون شيئًا سريعًا، وأحيانًا يبثون أسوأ اللقطات، وقد يشوهون الموهبة عند عرضها، أو يتصورون تهامة فلكلورًا وشيئًا من القديم يُعرض في لقطة أو لقطات لمدة دقائق قصيرة.
حكاية محمد جاوي ليست حكايته وحده، لكنها مسلسل ممتد منذ عقود طويلة، حيث ظلت مئات المواهب المبدعة في الهامش. تغيّرت الوزارات عشرات المرات، وتبدلت الأسماء والشعارات واللافتات والحكومات وحتى الرؤساء، لكن السياسة العامة في التعامل مع الإبداع التهامي لم تتغير كثيرًا. ظل الفن في اليمن يخضع للمزاج، والمناسبة، والعلاقات الشخصية، والاحتفالات الموسمية، والنفاق والتطبيل، أكثر مما يخضع لرؤية ثقافية حقيقية تعرف كيف تكتشف الموهبة، وتدعمها، وتحفظها، وتمنحها مكانها العادل.
يمتلك محمد جاوي، رصيدًا فنيًا يتجاوز ثلاثين عامًا. صحيح أنه ظل في الغالب فنان أعراس وجلسات، ولم يكن كثير الحضور في الفعاليات الرسمية، لكن هذا لا ينتقص من قيمته. بل ربما يكشف خللًا أعمق في فهمنا للفن. فكم من فنان حقيقي ظل قريبًا من الناس، يغني في أفراحهم ولياليهم الخاصة، بينما بقيت المنابر الرسمية مشغولة بأسماء مكررة، أو بأصوات لم تمتلك نصف صدقه وحساسيته.
لكن ما يميز محمد جاوي في الدرجة الأولى هو صوته النقي. صوت مميز وفيه صفاء داخلي، لا يقوم على الصراخ ولا على الاستعراض، بل على إحساس عميق بالكلمة واللحن. لديه قدرة واضحة على أداء الموال والمقاطع الطويلة دون تعثر أو افتعال. وهذه ميزة نادرة، لأن الموال يحتاج إلى نفس طويل، وإلى معرفة بالمقامات، وإلى قدرة على حمل الجملة الغنائية حتى نهايتها دون أن تفقد معناها أو حرارتها.
ولعل الأكثر دهشة في صوته تلك النبرة الممزوجة بالحزن والحساسية. حين يغني، لا تبدو الكلمات مجرد ألفاظ عابرة، لكنها تتحول إلى حالات وجدانية. كل عبارة عنده تبدو محمّلة بصدق داخلي خاص، وكأنها خارجة من تجربة عاشها أو جرح يعرفه. ولهذا يسمعه الجمهور بالقلب قبل الأذن. وهذه مسألة لا يصنعها التدريب وحده، إنها ملكة إبداعية خلاقة تصنعها الموهبة، والصدق، والخبرة الطويلة مع الحياة والناس.
يجيد محمد جاوي ببراعة أغلب الألوان الغنائية اليمنية. فهو يغني التهامي، والصنعاني، واللحجي، والحضرمي، ويؤدي الموال بروح خاصة. وفي الجلسة الواحدة يستطيع أن ينتقل من لون إلى آخر بسلاسة ونعومة، دون أن يبدو الأمر قفزًا عشوائيًا بين القوالب. كأنه يفتح نوافذ متعددة على ذاكرة الغناء اليمني، لكنه في كل لون يترك أثره الخاص ونبرته الشخصية.
وهذه القدرة ليست بسيطة. فالغناء اليمني ليس لونًا واحدًا، إنه عوالم متعددة. الغناء التهامي له إيقاعه وروحه وملحه الشعبي. والغناء الصنعاني له وقاره وطرائقه ومقاماته. واللحجي يحمل طراوة مختلفة ومحفزة للطرب البهيج، بينما يفتح الحضرمي بابًا آخر على الشجن والامتداد. أن يستطيع فنان واحد أن يلامس هذه الألوان دون أن يضيع بينها، فهذا دليل على موهبة واسعة وخبرة حقيقية.
كما أن محمد جاوي يحسن اختيار موضوعاته وكلماته. أغانيه تميل غالبًا إلى اللمسة الرومانسية، وفيها الوجد، ولوعة الفراق، ولذعات العشق، والعتاب، لكنها لا تقف عند الانكسار العاطفي وحده. أحيانًا تلمس في اختياراته شيئًا من الحكمة وروائع التراث اليمني والعربي، وبعض هذه القصائد أشبه بدعوة إلى التماسك والعودة إلى بناء الذات. كأن الغناء عنده ليس بكاءً فقط، بل محاولة للنجاة من الوجع والبحث عن القليل من الفرح والحلم.
لم يسلك محمد جاوي النمط الاستهلاكي السريع. لم ينجرف إلى أغاني المفرقعات، ولا إلى الضجيج العابر، ولا إلى المعارك الجانبية التي تستهلك الوقت والروح. كما ظل بعيدًا عن السياسة وصخب المعارك السياسية، وكأنه آمن بأن الفن ينبغي أن يبقى نقيًا، صادقًا، حساسًا، ومخلصًا للقلب والروح. وهذا الموقف في زمننا ليس سهلًا، لأن الضجيج صار أسرع من الصوت الجميل، والاستعراض أحيانًا يكون أقوى من الموهبة.
اليمن هو البلد الذي يدخل من ضجيج إلى ضجيج، ومن فوضى إلى فوضى أكبر. وفي مثل هذه الظروف يضيع الفن الحقيقي، وتضيع الأصوات الهادئة، وتطغى الرداءة أحيانًا لأنها أعلى صوتًا وأكثر قدرة على التسويق. لكن من الملاحظ في السنوات الأخيرة أن الجمهور بدأ ينتبه لسحر محمد جاوي. بدأ كثيرون يسمعونه باهتمام، ويشعرون أن هناك صوتًا حقيقيًا لم يأخذ فرصته. وهذا الانتباه مهم، لأنه يأتي من الناس وليس من المؤسسات الفاسدة.
ورغم التلوث المرعب في الذائقة العامة، ورغم انتشار الأغاني السريعة والمستهلكة، ما زال هناك جمهور يبحث عن الصدق. جمهور يريد صوتًا يلمس القلب، لا مجرد إيقاع يملأ الفراغ.
محمد جاوي ينتمي إلى هذا النوع من الفنانين الذين لا يحتاجون إلى ضجيج كبير كي يثبتوا حضورهم. يكفي أن تسمعه في موال طويل أو أغنية وجدانية حتى تدرك أنك أمام صوت له معدن خاص.
أنه نموذج للمبدع اليمني الذي لم يأخذ حقه. لكنه أيضًا نموذج للفنان الذي قاوم التهميش بالصبر والاستمرار. لم تساعده المؤسسات كما ينبغي، ولم تفتح له الشاشات أبوابها، ولم تمنحه الصحافة اليمنية ما يستحق من حوار وتوثيق وقراءة. ومع ذلك بقي يغني، وبقي صوته حاضرًا في ذاكرة من عرفوه وسمعوه.
والخلاصة أن هذا الفنان يستحق الدعم والتشجيع، ليس لكونه فنانًا تهاميًا فقط، بل لكونه صوتًا يمنيًا أصيلًا يحمل جزءًا من ذاكرة الغناء اليمني المتنوع. يحتاج إلى من يوثق تجربته، ومن يحاوره، ومن يسجل له جلسات احترافية، ومن يساعده على الوصول إلى جمهور أوسع. كما يحتاج هو نفسه إلى التفكير في خطواته القادمة بثقة ووعي، فلا خطوة إلى الوراء مهما زادت قسوة الظروف.
لقد تأخر الإنصاف كثيرًا، لكن الوقت لم ينتهِ. ما زال في صوت محمد جاوي ما يستحق أن يُسمع، وما زال في تجربته ما يستحق أن يُكتب عنه. وربما يكون أجمل ما يمكن قوله الآن إن هذا الفنان صار علامة على موهبة يمنية صادقة وجدت طريقها إلى القلوب.




