الخميس، 4 يونيو 2026 | الموافق ١٨ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ
الأخبار المحلية

‏في الشرق الأوسط لا سلام ولا سياسة ولا تنبوءات.

اسرائيل مستوطنة يملكها الإنجيليون الأميركان.

‏في الشرق الأوسط الغامض والمعقد لا يستقرّ شيء على حاله، لا السلام ولا السياسة ولا النبوءات. كما لو أن ديناميكا الاجتماع والسياسة فيه تدفع الأمور لتمضي في شكل دائرة لا على هيئة شلّال. ولعلّ أصدق لوحة كتبت عن انتصار الثورة السورية هي تلك الجملة القائلة "سقط الأبد".

لا مكان للأبدية في الشرق الأوسط، حتى إن أشهر جملة يرددها الساسة الغربيون حول المنطقة هي "حق إسرائيل في الوجود". الطبيعة الهيولية للشرق الأوسط تجعل كل شيء غير مستقر، بما فيها المدينة العبرية المحمية بكل آلات الموت والنجاة. لا تزال إسرائيل مشروعَ دولة، ولا يزال الحديث عن حقها في الوجود موضوع الساعة، وحتى وهي مدرّعة بالقنابل النووية.

ما من شيء مستقرّ في الشرق الأوسط.

فكل محاولة لإعادة هندسته ليبدو جديداً ومقبولاً تصطدم بحقيقة أنه لا بد من إصلاح ماضيه أولاً. تقع مسألة الصراع العربي- الإسرائيلي في أعلى كشف الحساب، ثم تليها مسألة الوحدة العربية، ومن خلفهما شبكة من القضايا الاجتماعية والسياسية بالغة التعقيد، وكل ذلك من الماضي المفتوح.

المشاريع الإيديولوجية التي ظهرت في الشرق الأوسط خلال القرن الماضي كانت كلها، من أقصى اليمين إلى اليسار، عابرة للحدود، وحدوية، ترفض مشروع الدولة القطرية التي جاءت على حساب "وحدة الأمة". ماضي الشرق الأوسط ثقيل ومركّب، وهي حقيقة تجعل من "الاستقرار" حدثاً غير مستقر.

يترابط الشرق الأوسط على نحو مثير، ويحدث أن يثير بردٌ في القاهرة حمّى في صنعاء. الأمة الواسعة ذات اللغة الواحدة والدين الواحد والتاريخ المشترك تعرضت لتقسيم انتحاري قبل قرن من الزمن. ترك ذلك التشظي جرحاً كبيراً في نرجسية المجتمع العربي المعتد بتاريخه الحضاري وبنظامه الأخلاقي.

ما إن لاحت بوادر انهيار الإمبراطورية العثمانية حتى نهضت القوى الاستعمارية الكبرى آنذاك لتتدبر سؤالاً خطراً: كيف سيبدو شكل السلم والسياسة في العالم إن نجح العرب، ذوو اللغة الواحدة، في تشكيل دولة مركزية تمتد من لبنان على طول البحر المتوسط حتى المغرب المشرف على المحيط الأطلسي؟

المراهق المضطرب نفسياً مارك سايكس، وكان في الثلاثينات من عمره، وقف أمام القادة البريطانيين ورسم خطاً من كركوك إلى عكا، قائلاً إنها بلاداً شبه فارغ فلنقسمها على هذا النحو. لم يستقر شيء منذ ذلك الحين، فالحقيقة الشرق الأوسطية التي نشأت كنتيجة للحرب العالمية الأولى لا تزال حقيقة فارغة وغير مستقرة.

بعد الحادي عشر من سبتمبر، 2001، تبنى الأميركان الفكرة القائلة إن الديكتاتورية هي المولد الرئيس لظواهر العنف والإرهاب الطالعة من الشرق الأوسط. وكتب توماس فريدمان مقالة شهيرة جادل فيها قائلاً إنه ما من معتقل هندي واحد داخل غوانتانامو حيث 35 ألف معتقل، برغم أن الهند تحوي أكبر تجمع للمسلمين في العالم.

في تقديره، وكانت تلك الفكرة قد صارت إلى تيار عام، فالديموقراطية الهندية أتاحت منصّات مفتوحة للتعبير السياسي والثقافي، فاستغنى الناس عن التنظيمات السرية والأنشطة العنيفة. فتح الربيع العربي، 2011، فرصة لشرق أوسط قابل للاستقرار وبقي العالم الغربي متوجّساً.

لم يعلق أوباما على الحدث التونسي إلا قبل رحيل بن علي بيوم واحد. استقبلت إسرائيل الربيع العربي على نحو مختلف، إذ نقلت واشنطن بوست )فبراير 2102) عن مسؤول إسرائيلي قوله "بعض الناس في الغرب يقارن ما يحدث في مصر بما جرى في أوروبا سنة 1989. أما نحن نراه مشهداً شبيهاً بطهران 1979".

ثمة دلائل كثيرة تشير إلى أن الرؤية الإسرائيلية للديموقراطية في الشرق الأوسط وجدت مكانها داخل الرؤية الغربية، وهي رؤية ستتجلى في مقالة مهمة لتوماس فريدمان )نيويورك تايمز، 27 نوفمبر، 2011( حول إسرائيل والربيع العربي

تذهب المقالة إلى اعتبار إسرائيل "أكبر الخاسرين" من تلك الصحوة العربية. إسرائيلياً اتخذت الاستخبارات العسكرية اسماً غامضاً للربيع العربي Taltala وهي كلمة عبرية تعني "الهزة"، وأشير إليه على مستويات أخرى مختلفة ب"الطاعون المصري"، في سياق توراتي غريب بعض الشيء. حين يتعلق الأمر بالشرق الأوسط فإن الخيال الإسرائيلي، السياسي والأمني، يصبح مخيالاً غربيّاً.

هل الديموقراطية حلّا لمعضلة الشرق الأوسط أم هي الديكتاتورية؟ يقدم الكاتب الإسرائيلي لازار بيرمان، في مقال له على تايمز أوف إسرائيل )أبريل،2021) إجابة صادمة "تقوم استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي على التفاهمات الضمنية والاتفاقات المكتوبة مع المستبدين العرب وليس مع الجماهير التي لا تقبل بالوجود الإسرائيلي بشكل كامل".

الاستبداد معضلة تخلق الإرهابيين المهددين للغرب، والديموقراطية تصدّر الإسلاميين والقوميين المعاديين لإسرائيل. أخذت الخفّة "الاستراتيجية" هذا الشكل المأساوي في مقاربة الشرق الأوسط، بل وردت التناقضات على لسان المفكر نفسه – فريدمان- في مناسبتين مختلفتين

. في مقالة له على هآرتس، ديسمبر 2020، يقرر الكاتب الإسرائيلي آشيل فيفر "بعد عشر سنوات من الربيع العربي لم يعد أحد يرى في الديموقراطية علاجاً شافياً للشرق الأوسط". أين نذهب بهذا الشرق الأوسط، وكيف نعالجه؟

في عمله المهم "مائة وهمٍ حول الشرق الأوسط، صدر سنة 2005" عالج الكاتب الإيرلندي فريد هاليدي أشهر الخرافات، المفاهيم الناجزة، المتعلقة بالشرق الأوسط، سواء تلك الاستيهامات التي تعيش في خيال المنطقة، أو ما يتخيله الآخر الغربي عن حقيقة الشرق الأوسط وطبيعة سكّانه.

مائة عقيدة حول الشرق الأوسط لا تفيد شيئاً، لا في فهم ماضيه ولا من أجل التنبؤ بمستقبله. تشكل الخرافات، أو المفاهيم، التي ناقشها فريدي النواة الأساسية للخيال الغربي حول الشرق الأوسط. وإن كان الكولونيالي القديم يعتقد أن خير مقاربة للشرق الأوسط هي تلك القائلة "اطعم العرب وجوّع الفرس" فإن الرؤى الغربية الحديثة، بما فيها "برنامج الأمم المتحدة للتنمية البشرية، 2002" لاتزال مقيمة في الحقل الاستيهامي نفسه، حيث القيم التقليدية – أي الثقافة- هي المعضلة، كما يلمح التقرير الأممي المشار إليه.

تجاهل التقرير الأممي السياق التاريخي والدولي الذي تشكلت في ظله مجتمعات الشرق الأوسط خلال قرنين من الزمن، كما يجادل هاليدي. التبعية للغرب، خلق الدولة السلطوية، والاقتصادات الريعية، كل ذلك قولب مجتمعات الشرق الأوسط داخل كيانات تابعة وغير مستقرة.

من قبيل السخرية يرى هاليدي إن الدولة الوحيدة بين كل دول الشرق الأوسط التي اتخذت لها اسماً دينياً نابعاً هي إسرائيل، وهي التي يشار إليها بحسبانها الكيان الديموقراطي الحداثي الأوحد. رفضت إسرائيل، الحداثية، تصنيف نفسها كجمهورية أو ملكية، محتفظة بحالتها المائعة في شكل "مدينة عبرية"، الميوعة التي يتطلبها ظهور "المسيح اليهودي" في آخر الزمان، بحسب هاليدي. يبدو كل شيء في الشرق الأوسط مائعاً، هيولى، مركباً غير مستقر.

لنلق نظرة على صورة الشرق الأوسط قبل أسبوع واحد من السابع من أكتوبر 2023. جلس جيك سوليفان- مستشار بايدن لشؤون الأمن القومي- على خشبة مسرح في واشنطن يقابله غولدبيرغ، رئيس تحرير مجلة ذا أتلانتيك، وتحدثا عن الشرق الأوسط

. قال سوليفان إن "منطقة الشرق الأوسط باتت اليوم أكثر هدوءاً مما كانت عليه منذ عقدين من الزمن". ولكي يبدو واقعياً قال سوليفان إنه "لا تزال هناك تحديات، كمثل التوترات بين الإسرائيليين والفلسطينيين".

لكن، يستدرك سوليفان "مقدار الوقت الذي يتعين علي أن أقضيه في الأزمات والصراعات في الشرق الأوسط اليوم، مقارنة بأيّ من أسلافي، قد انخفض بشكل كبير". التوترات البسيطة، كما تخيلها العقل الاستراتيجي الأميركي، زعزعت الكوكب بأسره فجأة. ضربت فراشة بجناحيها في اللامكان، في بقعة هي أبعد ما تكون عن التأثير حول ما يجري في العالم.

يفترض المفهوم الفيزيائي "أثر الفراشة" أن حركة طفيفة للغاية بمقدورها أن تحدث تغييراً هائلاً في النتائج. وإن كان ذلك ممكناً في سياق من الاستثناء الطبيعي في العالم، ففي الشرق الأوسط يبدو أثر الفراشة قانوناً مركزياً. ما إن تستريح القوى الكبيرة، المحلية والدولية، لترتيب ما جارٍ في المنطقة حتى ينهار البناء بالكامل بسبب حدث صغير في مكان غير متوقع. لم يكن الحادي عشر من سبتمبر، 2001، استثناء، ليس والتاريخ يخبرنا أن الانتفاضة الأولى حدثت بسبب حادث سير في العام 1987. تضرب فراشة صغيرة بجناحيها، أحياناً على شكل مزحة عابرة، فتصعد الأمواج وتضرب أبعد الأماكن.