السبت، 26 سبتمبر 2026 | الموافق ١٣ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ
الأخبار المحلية

الحوثيون يحولون جغرافيا الهضبة تدريجيا إلى أقلية عددية.

الحوثيون واستدعاء الحرب: من جلب القصف إلى التنكر له"

بحسب المؤشرات الديموغرافية والاجتماعية، أعتقد أن اليمنيين قد يجدون أنفسهم، بعد نحو عشر سنوات، أمام متغير اجتماعي مفجع لم يكن حاضرا في حسابات الحرب طوال سنواتها.

فثمة جزء من الجسد الجغرافي اليمني ما يزال الحوثي يستنزفه بشريا بصورة تدريجية لا تثير الانتباه: جغرافيا آزال، أو ما يعرف بالهضبة، التي يحولها الحوثي تدريجيا، وبصورة متريثة، إلى أقلية سكانية بالمعنى العددي المباشر، لينتهي بها المطاف إلى أقلية سكانية مبعثرة في مساحة جغرافية واسعة، فيما تتآكل طاقتها الحقيقية على العمل والإنجاب والإنتاج والتعبئة، إلى الحد الذي يعطل تفاعلها الوطني وفاعليتها داخل ذاتها.

والمفارقة أن الخطر المرعب هنا ليس في أن تصبح الهضبة أقلية داخل اليمن فحسب، بل في أن تتحول، مع الزمن، إلى أقلية عددية حتى داخل المجال الذي احتكر الحوثيون تمثيله المذهبي والقبلي والسياسي والاجتماعي؛ أقلية منفصلة عن الجسد الوطني، وغير قادرة على إنتاج توازن اجتماعي وسياسي داخل بيئتها نفسها.

حروب الحوثي لم تستهلك السلاح والمال فقط، فعلى مدار 12 سنة استهلكت المادة البشرية التي جعلت استمرار هذه الحروب متواصلا وممكنا، إذ إن وقودها هم النشء والشباب من مناطق الهضبة بنسبة كبيرة.

والفئة العمرية بين 12 و25 عاما ليست رقما سكانيا عابرا، بل هي مخزون المجتمع القادم: العامل، والمزارع، والطالب، والزوج، والأب، والجندي، وصاحب المشروع.

وعندما تُسحب هذه الفئة بصورة متواصلة إلى التجنيد والقتل والإعاقة والإصابة والنزوح والهجرة، فإن الخسارة لا تقع في الحاضر وحده، بل تنتقل إلى دورة الحياة كلها: أسر أقل استقرارا، ومواليد أقل، ودخل أضعف، وتعليم متقطع، واقتصاد محلي يفقد من يحمل عبئه.

والنتيجة البنيوية الحتمية أن مناطق جغرافيا آزال، التي لا تزال اليوم قادرة على تصدير الرجال إلى جبهات الحوثي، قد تصبح غدا عاجزة حتى عن تعويض رجالها في السوق والبيت والمزرعة والمتجر والوظيفة العامة.

هنا يتغير موقعها السياسي من حاضنة تنتج القوة إلى مجتمع يطلب الحماية، ومن جغرافيا قادرة على فرض شروطها بالسلاح ،إلى جغرافيا تحتاج إلى دولة مركزية وقانون ومؤسسات وخدمات كي تمنع انهيارها الاجتماعي.

ليست القضية أن الزيدية ستختفي، ولا أن جماعة بعينها ستفقد وجودها فجأة. ما أقصده هو أن حروب الحوثي المستمرة تسحب من هذه الجغرافيا، تدريجيا، أهم عناصر بقائها: شبابها، وتوازنها الاجتماعي والأسري، وقدرتها على إعادة إنتاج معادلة مجتمعية وازنة سياسيا.