السبت، 26 سبتمبر 2026 | الموافق ١٣ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ
الأخبار المحلية

جمعيات اليمنيين في المهجر الأوروبي: عندما يصبح اللقب أكبر من العمل

جمعيات اليمنيين في المهجر الأوروبي: عندما يصبح اللقب أكبر من العمل

حميد عقبي + خاص

منذ اندلاع الحرب اليمنية عام 2015، اتسعت دوائر الهجرة واللجوء، وتوزع اليمنيون على بلدان كثيرة، بينها دول أوروبية لم تكن تضم جاليات يمنية كبيرة من قبل.

ومع هذا الانتشار، ظهرت جمعيات وروابط وكيانات اجتماعية وثقافية تسعى إلى وصل الناس بعضهم ببعض، ومساعدة الوافدين الجدد، وحفظ صلة أبنائهم باللغة والثقافة اليمنية. وجود هذه الكيانات حاجة مهمة وضرورية؛ فالمغترب الذي يواجه مشكلة في الإقامة أو التعليم أو العلاج يحتاج إلى من يرشده، واليمني البعيد عن بلده يحتاج إلى مساحة يلتقي فيها أبناء جاليته ويتبادل معهم الخبرة والعون.

تسمح القوانين في بلدان أوروبية بتأسيس جمعيات لأهداف اجتماعية وثقافية وخيرية. في فرنسا، على سبيل المثال، يمكن تأسيس جمعية بعضوين على الأقل، لكن الجمعية ذات الشخصية القانونية الكاملة تحتاج أيضًا إلى وثيقة تأسيس يحررها موثق.

ثم تُسجل في المحافظة، وفي دول أوروبية أخرى يتم تسجيلها في غرفة التجارة.وفي بعض الدول يمكن ذلك بمجرد وجود شخصين وعنوان وإقامة لسنة واحدة؛ والشروط قد تختلف من بلد إلى آخر، ومن شكل قانوني إلى آخر لكن مع ذلك تأسيس جمعية أو كيان خيري ليس معقدًا جدًا.

المشكلة التي تستحق النقاش ليست سهولة التأسيس. بل تبدأ عندما يتحول الاسم إلى شهادة يمنحها الكيان لنفسه: «دولي»، «عالمي»، «منظمة»، ثم يُقدَّم هذا الوصف للجمهور كأنه دليل على تمثيل المهاجرين اليمنيين كلهم وفي كل البلدان أو اعتراف مؤسسات دولية به.

يجوز للجمعية أن تختار اسمًا واسع الطموح، لكن اتساع الاسم لا يخبرنا حجم دورها، ولا أين تعمل فعليًا، ولا ما الذي أنجزته وتريد أن تنجزه. هذه أمور تحتاج إلى أعضاء معروفين، وبرامج، وشراكات قابلة للتحقق، وتقارير عن النتائج.

يمكن أن نأخذ الاتحاد العالمي للمهاجرين اليمنيين كنموذجً لهذا السؤال، من دون إنكار حق مؤسسيه في إنشاء جمعية أو دون التقليل من أي مساعدة قدموها.

بيانات الكيان الهولندي الذي يحمل اسم «الاتحاد الدولي للمهاجرين اليمنيين» تشير إلى نشأته في نوفمبر 2024، وإلى عنوان مسجل في أمستردام ، وشكله القانوني «جمعية ذات شخصية قانونية كاملة». وقد وردت لاهاي في أخبار عن فعالياته وتحضيرات إشهاره؛ لكن الحديث عن نشاط في لاهاي يختلف عن عنوان التسجيل القانوني في أمستردام.

وهناك أيضًا كيان يحمل اسم «الاتحاد الدولي للمهاجرين اليمنيين في المملكة المتحدة»، سُجل لدى هيئة الجمعيات الخيرية في إنجلترا وويلز في ديسمبر 2025 بصفته كيانًا خيريًا ذا شخصية اعتبارية. هذا تسجيل حقيقي ينبغي نذكره بدقة ويمكنكم التحقق منه، كما ينبغي أن نميز بينه وبين تسجيل الجمعية الهولندية. وجود تسجيلين في بلدين لا يجيب وحده عن سؤال التمثيل العالمي أو حجم العمل المنجز؛ فكل تسجيل يحدد صفة قانونية وبلدًا ونطاقًا تنظيميًا، بينما يقاس أي آثر بما يصل إلى المستفيدين.

ثمة واقعة مهمة تحسب للاتحاد في ملف اليمنيين الذين جُنّدوا للقتال مع الجيش الروسي. فقد ذكرت فايننشال تايمز ، في تحقيق نشرته في نوفمبر 2024، أن أحد عشر يمنيًا سُمح لهم بمغادرة روسيا إلى اليمن عبر عُمان، وعزت الصحيفة ذلك إلى إلى جهود بذلها الاتحاد في الضغط على الحكومة اليمنية بعد احتجاج شعبي.

لكننا لا نجد تقارير تقول إن الاتحاد أعاد الرجال بمفرده، لا نجد توثيق أنه هو الذي نظم الاحتجاجات. الفرق بين المساهمة في الضغط، وتنظيم الاحتجاج، وتنفيذ عملية الإعادة فرق مهم.

وفي يناير 2026، نُشر لكاتبة يمنية مقال في صحيفة الغارديان وذكر في أحد سطوره ذكر علي الصباحي من أمستردام، ونقلت عنه متابعته أوضاع يمنيين ذهبوا إلى روسيا وتلقيه مناشدات من عائلاتهم وإحالتها إلى مسؤولين.

هذه شهادة على متابعة القضية واتصال الاتحاد بأصحابها، لكنها ليست، بمفردها، سجلًا موثقًا بنتائج كل حالة وكانت شهادته من ضمن شهادات عديدة وثقها المقال. وفي المقابل، ينشر موقع الاتحاد أخبارًا عن تدخلات وقضايا أخرى؛ ومن العدل التعامل معها بكونها ادعاءات تستحق الفحص حالةً بحالة، وليس تجاهلها ولا اعتبار مجرد نشرها إثباتًا مستقلًا لها.

ما يثير انتباهي، وأنا أقرأ موقع الاتحاد وصفحته المتواضعة على فايسبوك، هو المساحة التي تشغلها أخبار التعيينات والتهاني والتعازي واستقبال الشخصيات، مقارنة بما يحتاج إليه القارئ لتقييم العمل نفسه: ماذا كانت المشكلة؟ من تولى متابعتها؟ ما الجهة التي استجابت؟ متى انتهت؟ وما الدليل المتاح مع احترام خصوصية المستفيدين؟ التهنئة والتعزية جزء مألوف من الحياة الاجتماعية، لكنهما لا تصلحان مقياسًا لفاعلية جمعية تقول إنها تعمل من أجل المهاجرين. وكلما كبر الادعاء في الاسم والخطاب، ازدادت الحاجة إلى تقارير دقيقة عن الخدمات والموارد والنتائج.

ويطرح الاهتمام بالحصول على اعتراف من الحكومة اليمنية سؤالًا آخر. فمن الطبيعي أن تتواصل جمعية للمهاجرين مع الوزارات والسفارات؛ فكثير من مشكلات الناس قد لا تُحل من دون هذه الجهات. لكن التعاون في قضية محددة شيء، وجعل رضا الحكومة معيارًا لمشروعية الجمعية شيء آخر.

يستمد الكيان الأهلي ثقته من استقلال قراره، ومن وضوح علاقته بأعضائه والمستفيدين منه، ومن قدرته على مساءلة المسؤول عند تقصيرهم، كما قد يشكره عندما يستجيب.

لهذا ينبغي النظر بعناية إلى تعيين مسؤولين أو وزراء أو سفراء سابقين في مواقع استشارية داخل جمعيات الجاليات. فلا نحكم على شخص لمجرد أنه شغل منصبًا عامًا، ولا يجوز لنا اتهام أفراد بالفساد من دون دليل.

لكن من حق الأعضاء أن يسألوا: ما خبرة هذا المستشار التي يحتاجها العمل؟ هل له دور محدد ومدة معلنة؟ هل توجد مصالح قد تؤثر في قرارات الجمعية؟ وهل يستطيع الكيان انتقاد أداء السلطات بوضوح إذا احتاج المستفيدون إلى ذلك؟ وهكذا عندما تغيب الإجابات، قد تبدو قائمة المستشارين أقرب إلى استعارة الوجاهة منها إلى بناء مؤسسة.

رابط مداخلة موسعة تناقش القضية

هذه الأسئلة لا تخص اتحادًا واحدًا. إنها تمس طريقة نفكر بها، نحن اليمنيين في المهجر، في العمل العام. فمن السهل أن ننقل إلى جمعية صغيرة لغة الوزارات: مجلسًا تلو مجلس، وألقابًا كثيرة، وبيانات احتفالية، وصورًا مع أصحاب المناصب.

لكن الأصعب من هذا كله أن نبني عملًا يستطيع مهاجر يمني أن يختبر فائدته فالكثير من المهاجرين يبحثون عن إرشاد قانوني موثوق، متابعة إنسانية منضبطة لقضاياهم، ونفتقر إلى نشاطات ثقافية مستمرة وحتى متواضعة،والجمعيات الحقيقية هي التي تملك الشفافية وتحرص على وجود حسابات وبيانات مالية واضحة، وآلية يستطيع بها الأعضاء مساءلة من اختاروهم.

لا يحتاج العمل الخيري اليمني في المهجر إلى أسماء أصغر أو طموحات أقل. يحتاج إلى تناسب صادق بين ما يقوله عن نفسه وما يقدر على إثباته بالعمل وليس بالدعاية. يمكن لجمعية بدأت بعضوين أن تصبح مؤثرة في بلدان عديدة، كما يمكن لكيان يحمل اسم «عالمي» أن يظل أثره محدودًا. ما يمنح الأول قيمة هو الناس الذين خدمهم والثقة التي اكتسبها، وليس الشعار ولا الكلمة المطبوعة أعلى ورقه الرسمي.