حُرَّاسٌ لوهمٍ.. وحنينٌ لأطلال
ما زلنا نحبو في ذات المكان، نراوغ واقعنا بشطحات خطابية ونزق عاطفي، وخطب منبرية صاخبة لا تقدم حلًا لأزماتنا الاقتصادية العاصفة، ولا لخدماتنا المنهارة، ولا لمجتمعنا المثخن. حياتنا حافلة بالعبر، زاخرة بالتجارب، ومع ذلك لم نتعظ من ماضينا، ولم نستفد من دروسه.
انشغلنا كثيرًا .. بل غرقنا في مستنقع الماضي ، حتى استحال علينا فك أغلاله، فصرنا لا نكترث بحاضرنا الأليم، ولا نهتم بمستقبلنا المجهول، ولا نسأل عن غدنا حتى في أحلام يقظتنا!
خفة عقل وطيش، وإصرار.. وثبات ولكن في الهواء . لا نعرف الواقعية في تعاطينا مع قضايانا السياسية، وإرثنا المؤلم لا يزال يثقل كاهلنا بأزمات متراكمة وعداوات متوارثة، ناتجة في المقام الأول عن سوء إدارة وتصرفات مرتجلة، ومع ذا وذاك نقاوم الاقتراب من هذه الحقيقة المُرّة.
تطربنا الخطابة الثورية الصاخبة، والصوت الهادر المرتفع يغشي عقولنا، ويحولنا إلى كائنات لا نعرفها. ويقينًا أن الصوت العالي نتاج الفراغ ، فكلما سمعت دويًّا وصخبًا فأعلم أن المتحدث كالطبل الأجوف !
مزاج عام غريب يستفزه الحوار الهادئ ، ولا يُعلي من شأن النقاش البنَّاء الذي يؤسس لمستقبل أفضل لأبنائنا. إنها حالة إدمان جماعي استولت على عقولنا، واستقرت في وجداننا.
إجترار الماضي يلامس شغاف قلوبنا، لكنه حنين غاشم أعمى بصائرنا ، وقيد إبداعنا، وشلَّ قدرتنا على التفكير، فصرنا أسرى لأغلاله الثقيلة، عاجزين عن مواكبة تطور العصر، أو حتى محاولة الخلاص من سطوته.
الماضي جعلناه سيدًا لحاضرنا، فرض وصايته على رقابنا، فتحكم بمصائرنا، وقتل آمالنا. وتلك هي المأساة التي نعيشها بجهل أو بلاهة.. بل بلذة ونشوة!
إذا ما حللت في محافظات الجنوب، فستجد صنفًا من الناس مسكونًا بهوس الحنين ، يستنزف طاقته وطاقتنا في استحضار أحداث التحرير والاستقلال والثورة، والدماء السائلة، والصراعات الداخلية، والتقاليد البالية التي ورثناها منذ رحل آخر جندي بريطاني.
فبدلًا من أن نحتفي بإنجازاتنا ، ونتباهى بحاضرنا الزاخر بالمكاسب المادية والثقافية والتكنولوجية، لا نزال منغمسين في تواريخ وأحداث كان ينبغي أن توثق في الكتب، وتحفظ في المتاحف.
ولو أن الأمر اقتصر على جماعة أو منطقة، لهان الأمر ، لكنه داء عام تفاوتت نسبه بين محافظة وأخرى .
عندما تقرأ لهم أو تسمع خطابهم، يخيل إليك أنهم قادمون من معركة "واترلو" التي هُزم فيها نابليون، أو أنهم عالقون هناك في جبال " سيرا مايسترا " ، حيثما خطى الثائر "تشي جيفارا" ورفاقه مسيرتهم الأولى للخلاص من الديكتاتور باتيستا حاكم كوبا .
نعم.. لا خير يُرجى من قيادة لا تعي أو تدرك أنها جزءًا من هذه الازمات . إذا أردنا أن يتحسن حالنا، فلنبدأ بالتوقف عن استجلاب الأمس، والاستسلام للواقع، بما يتطلبه من عقلية ونفسية مختلفتين تمامًا .
نحن إزاء حالة استثنائية لا تنفع معها المسكنات، ولا تصلح لمعالجتها الشعارات الجوفاء، ولا الخطابات العاطفية. ما نحتاجه حقًا هو قادة سياسيون يدركون معاناة شعبهم بكل فئاته .
قادة يتحلون بالشجاعة الكافية لقيادة البلاد في هذه المرحلة الانتقالية المصيرية، ولا يصلح لها إلَّا قادة استثنائيون لديهم الاستعداد للتضحية في سبيل رؤيتهم لليمن الجديد الذي ينبغي أن يسود ويقام على أنقاض وسوءات العهود السالفة .
تعبنا من الحلول الترقيعية، ففي النهاية: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ}.. تأملوا ماذا فعل السابقون؟ وكم أقاموا من مسرحيات ، ورفعوا من شعارات صاخبة عن الجمهورية والوحدة والديمقراطية؟!
الجائع لا يمكن أن يكون مخلصًا .. هذه حقيقة يجب أن تستقر في أذهان قادة اليوم وأتباعهم، الذين يعيشون في زمن الانتفاع والاستغلال، بلا أدنى فائدة لشعب يتلظى بنار الواقع.
مؤسف أن تطل علينا مناسبة وطنية غالية، ونحن في هذا الحال البائس.. خيبة أمل، وحنين عقيم، وهتافات صاخبة لا تُشبع جائعًا ، ولا تكسو عاريًا ، ولا تُطمئن خائفًا .
أجدني أقول لمن تحسنت أحوالهم في زمن جاعت فيه الملايين: تبا لكم ! اصمتوا احترامًا لمعاني الثورة والاستقلال والتحرير ، وخجلًا من هذا الشعب الذي حُرِم أبسط مقومات الحياة الكريمة من غذاء ودواء وملبس .
وهنا أتذكر ما كتبه الميجور "هارولد جاكوب" في دراسته عن مناطق متاخمة لعدن - الحوشبي ، العلوي ، يافع ، الضالع - عام 1907: "ما نقوم به هو لمنفعة الناس الذين سيتذكروننا يومًا .. وإذا رحلنا فسيأتي وقت يطلبون فيه عودة الإنجليز ".
إنَّها نبوءة يا مستر جاكوب.. وهي - أيضًا - عظة وعبرة !!