اليمن بين الاحتواء والتفكيك: صراع القراءتين السعودية والإماراتية
من لا يعيش على حدود اليمن يظنه ملفًا سياسيًا يمكن إدارته ، ومن يجاوره يعرف أنه قدر تاريخي لا يُدار بل يُحتوى . هكذا أخطأت الإمارات حين نظرت إلى اليمن بوصفه مشروع نفوذ قابلًا للتجزئة ، وخريطة يمكن قصّها بالمسطرة وإعادة رسمها وفق توازنات لحظية . في المقابل قرأت السعودية اليمن بوصفه معادلة وجود لا تحتمل العبث؛ جسدًا حيًا متصل الأعصاب ، إذا أُسيء لمسُه نزف الإقليم كله . الفارق هنا ليس في الأدوات ولا في النوايا المعلنة والمبيتة، بل في عمق الفهم: بين من يتعامل مع الجغرافيا كمساحة هندسية ، ومن يدركها ككائن حيّ إذا انهار طرفه اختلّ الكل .
ثمة فرق جوهري بين أن تُدرِك المكان مساحةً وأن تدركه كينونةً . الإمارات عاملت اليمن كمشروع هندسي قابل للحساب ، بينما قرأته السعودية كامتداد عضوي لكينونتها ، كالقلب من الجسد لا يُستأصل دون أن ينزف الكلّ . الجغرافيا ليست معطىً محايدًا يُرسم على الورق ، بل علاقة وجودية تتشكل عبر القرون تنسج خيوطها الدماء والتجارة والحروب . الجوار قدر لا يُدار بالحسابات الباردة ، بل يُحتوى بالوعي التاريخي والإدراك أن مصيرك مرتبط عضويًا بمصير جارك .
من لا يعيش على الحدود يرى اليمن ملفًا قابلاً للأرشفة ، ومن يجاوره يعرفه مرآة تعكس وجهه كل صباح . القُرب الجغرافي ينتج معرفة حسّية يصنعها الخوف اليومي من الانهيار . السعودية موجودة-في-اليمن بالمعنى الهايدغري؛ ككيان يُعاني معه ومنه وفيه ، يتنفس غباره ويخشى انفجاره . الإمارات ظلت خارج هذا الانخراط الوجودي ، تنظر من برج زجاجي حيث الخرائط أنيقة والسيناريوهات قابلة للتبديل “كألعاب البلايستيشن” .
حين تتعامل مع اليمن كخريطة على طاولة فأنت تتخيل أنك قادر على قصّ أجزائه وإعادة لصقها بترتيب جديد . هذا وهم الديكارتية السياسية: الاعتقاد بأن الكل مجرد أجزاء قابلة للفك والتركيب . لكن اليمن عضوية حية نابضة بالتاريخ . في الفلسفة العضوية لوايتهيد الكل أكبر من أجزائه ، والأجزاء لا معنى لها إلا في سياق الكل . إذا قطعت يدًا من جسد لم تعد يدًا بل قطعة لحم ميتة . هكذا اليمن: جنوبه لا يحيا منفصلًا عن شماله ، وساحله ميت بلا عمقه الجبلي . محاولة الإمارات تجزئته كانت جراحة على جثة تنتج مزيدًا من الموت .
القدر التاريخي لا يُدار بل يُحتوى . الإدارة تفترض السيطرة الكاملة ، والاحتواء يفترض التواضع العميق أمام قوى لا تُروَّض بالقوة بل تُوجَّه بالحكمة . السعودية بحكم جوارها الممتد قرونًا تعلم أن اليمن لا يُبنى عليه سدّ دون أن ينهار ، بل يُحتوى بقنوات ذكية تمتص فيضانه . الإمارات نظرت إلى التقسيم بوصفه أداة وظيفية تُنشئ فراغات سياسية يمكن لإسرائيل أن تتنفس عبرها وتتمدّد منها ، بينما قرأته السعودية ككسرٍ مباشرٍ لمنظومة الأمن القومي العربي ، وتمكينٍ للأعداء لا يرقى إلى الخطأ الاستراتيجي فحسب بل يلامس حدّ الخيانة التاريخية .
اليمن جسد حي متصل الأعصاب وهذا حقيقة فلسفية لا مجاز أدبي . مرلو-بونتي تحدث عن الجسد كشبكة إحساس: إذا جرحت إصبعك فالألم يتردد في الدماغ ويؤثر على كامل الوعي . هكذا العلاقة بين السعودية واليمن: علاقة أعصاب حية تنقل الألم . حين ينزف اليمن تشعر السعودية بالنزيف في عمقها الاستراتيجي وأمنها القومي . الإمارات البعيدة عصبيًا لم تشعر بالألم إلا متأخرًا حين صار مشروعها “الأنيق” كابوسًا يطاردها في عدن وحضرموت والمهرة حتى خرجت من أضيق الأبواب .
الفرق الجوهري بين السعودية والإمارات هو فرق في المعرفة والوجود معًا . السعودية تعرف نفسها من خلال اليمن؛ حدودها الجنوبية مرآة وجودية تذكّرها أن الأمن لا يُشترى بالمال بل يُبنى بالفهم والاحتواء . الإمارات ترى اليمن مشروعًا استثماريًا يُحسب بالأرقام الباردة . الأولى تتعامل مع الجغرافيا كقدر محتوم ، والثانية كخيار قابل للتبديل . وهنا المأساة: من يظن أنه يدير الجغرافيا “بفهلوته الطائشة” تديره الجغرافيا بقوانينها الصارمة . ومن يعرف أنها قدر يحتويها بحكمة دون أن يفقد سيطرته على ديناميكياتها . الجغرافيا ليست علمًا محايدًا ، بل فلسفة وجود تُعاش على الحدود ، حيث كل خطأ في الفهم يكلف أجيالاً ثمنًا باهظًا من الدم والدمار .