المال القذر: الشريك الخفي في جرائم الحرب

Author Icon تركي القبلان

فبراير 26, 2026

تصريح المفوض السامي لحقوق الإنسان توصيف قانوني ثقيل الدلالة . فحين تُستخدم عبارة “بلغت حد جرائم الحرب” فنحن أمام لغة تدخل مباشرةً في نطاق نظام روما الأساسي ، ما يعني أن المسألة لم تعد نزاعًا داخليًا فوضويًا إنما أفعالًا يمكن ملاحقة مرتكبيها وداعميهم أمام القضاء الدولي .

هجوم الفاشر - وفق هذا التوصيف - يُقرأ باعتباره نمطًا من العنف المنهجي الموجَّه ضد المدنيين ، ترافق مع ما وصفه المفوض ”الارتفاع الحاد في أعمال العنف الانتقامية” . وهذا التعبير تحديدًا يكشف أن ما يجري ليس معركة عسكرية محدودة  لكن أكثر من ذلك انهيار كامل في الضبط الأخلاقي والقانوني للسلاح .

وهنا يطفو على السطح سؤال المال القذر .
الميليشيا لا تعيش على الهواء ، والسلاح لا يتحرك بلا تمويل ، والذخيرة لا تصل صدفة . حين تستمر عمليات بهذا الحجم وهذه الوتيرة فذلك يعني بالضرورة وجود شبكات تمويل ناشطة ، وسلاسل إمداد محكمة ، وممرات التفاف على العقوبات الدولية . في اقتصاد النزاعات استمرار القتال بهذا النسق دليل على أن الحرب تحولت إلى سوق قائم بذاته: سوق سلاح ، وسوق ذهب ، وسوق تهريب ، وسوق نفوذ .

في السودان تحديدًا تتقاطع ثلاثة عناصر بالغة الخطورة: أولها اقتصاد الذهب غير المنضبط الذي يوفر سيولة نقدية سريعة بعيدًا عن القنوات الرسمية . وثانيها شبكات الشحن المظلمة التي تنقل السلاح والعتاد بمنأى عن الرقابة الدولية . وثالثها الملاذات المالية الرخوة التي تتيح لأفراد وكيانات مشبوهة الاندماج في المنظومة الاقتصادية العالمية . حين تجتمع هذه العناصر الثلاثة يتحول النزاع من أزمة داخلية إلى نموذج كلاسيكي لما يُعرف ”باقتصاديات المساحات الرمادية” وقد تكلمت عنه سابقاً حيث تتغذى الميليشيات على الفجوات البنيوية في النظام المالي الدولي وتستثمرها .

والأشد خطورةً أن توصيف “جرائم الحرب” يفتح الباب لمسار قانوني لا يقتصر على المنفذين الميدانيين ، بل قد يمتد إلى كل من يثبت تورطه في التمويل أو التسهيل أو الإمداد ، استنادًا إلى مبدأ المسؤولية غير المباشرة المتطور في القانون الدولي الجنائي . المال القذر لا يترك بصمات دم فورية لكنه يترك مدنًا كاملة تُمحى من الخريطة .

كاتب وأكاديمي سعودي​​​​​​​​​​​​​​​​

زر الذهاب إلى الأعلى