القرار الشجاع في مواجهة الانفلات الإقليمي

Author Icon تركي القبلان

يناير 7, 2026

في لحظات الفوضى الإقليمية لا تُقاس القيادة بعدد التحالفات ، بل بالقدرة على كبح الانحراف حين يتجاوز حدوده ، حتى لو جاء من داخل المعسكر الواحد نفسه . وما شهدته اليمن في الأيام الأخيرة لا يمكن قراءته كتحرك أمني عابر ، بل كقرار سيادي شجاع اتخذه ولي العهد السعودي لإعادة ضبط مسار خرج عن السيطرة ووضع حد لتجاوزات لم يعد ممكنًا التغاضي عنها .

لقد تحوّل الدور الإماراتي في اليمن خلال السنوات الماضية من شراكة معلنة إلى مشروع “نفوذ منفلت” ، قائم على تفكيك الجغرافيا ورعاية كيانات موازية للدولة ، وتوظيف المجلس الانتقالي الجنوبي “كأداة سلطة” لا كحامل لقضية سياسية عادلة . الجنوب لم يُدعَم ليُحل ، بل ليُدار كرافعة ضغط إقليمي ، وحين تتحول القضية إلى غطاء لميليشيا ، تصبح الدولة هي الضحية ويغدو الإقليم رهينة لمشاريع ضيقة لا علاقة لها بالاستقرار .

من هنا جاء القرار السعودي الحاسم بتأييد قرار رئيس المجلس الرئاسي اليمني بإخراج الإمارات عمليًا من المشهد ، واستعادة حضرموت والمهرة من قبضة المجلس الانتقالي عبر قوات درع الوطن . هذا القرار لا يعني إعلان خصومة بقدر  ما يعني إعلان حدود واضحة للشراكة وحدودًا للتدخل وحدودًا للصبر . فمواجهة الخصم المباشر مسألة مألوفة في السياسة ، أما مواجهة “انحراف الحليف” فهي الاختبار الأصعب ، لأنها تكسر أوهام “وحدة المعسكر” حين تتحول إلى مظلة للفوضى وتعيد تعريف من يملك حق ضبط المشهد برمته .

شجاعة هذا القرار لا تكمن في التصعيد بل في تحمّل كلفته السياسية والاستراتيجية . فهو أنهى مرحلة الاحتواء الصامت وانتقل من إدارة الخلاف خلف الكواليس إلى فرض الانضباط ميدانيًا ، وأعاد تعريف اليمن بوصفه معادلة وجود للسعودية لا ساحة نفوذ قابلة للتقسيم أو الاستثمار العابر . فاليمن ليس ملفًا بعيدًا يمكن المساومة عليه لكنه عمقًا جغرافيًا إذا اختلّ انتقلت كلفته إلى الداخل السعودي والإقليم بأكمله .

لم يكن التحرك بدافع الصدام ولا من منطق تسجيل النقاط بل انطلق من ضرورة منع الانهيار: انهيار معنى الدولة في اليمن ، وانهيار القاعدة البديهية التي تقضي بأن الجوار لا يُدار بالوكلاء ،  ولا تُفرض عليه الوقائع بقوة الميليشيا ، يعكس هذا القرار انتقالًا واضحًا من أخلاق المجاملة إلى أخلاق المسؤولية ، ومن حسابات اللحظة العابرة إلى استحضار واجب التاريخ ومتطلبات الاستقرار طويل الأمد .

الخلاصة: أن ما جرى في اليمن قرار شجاع بكل المقاييس لأنه واجه التجاوزات لا بالخطاب ولا بالبيانات ، بل بإعادة ضبط الميدان نفسه ، وأعاد اليمن من كونه ساحة نفوذ متصارعة إلى ملف سيادي لا يُدار إلا من بوابة الدولة . هكذا تُمارَس القيادة حين يعمّ الضجيج: لا برفع الصوت بل بفرض النظام وترسيخ منطق الدولة .

أكاديمي وكاتب سعودي

زر الذهاب إلى الأعلى