حل المجلس الانتقالي وإعادة بناء منطق الدولة
يُعدّ قرار حل المجلس الانتقالي خطوة أولى في الاتجاه الصحيح ، ليس بوصفه إجراءً إداريًا أو تسوية سياسية مؤقتة ، بل باعتباره محاولة متأخرة لتصحيح مسار انحرف عن هدفه منذ لحظة إدخال كيان مسلح خارج إطار الدولة إلى معادلة يفترض أنها معركة استعادة شرعية . هذا القرار، إن أُحسن البناء عليه يمكن أن يشكّل بداية تفكيك واحدة من أعقد العقد التي أعاقت استعادة الدولة اليمنية ، وفتحت الباب أمام فوضى سياسية وعسكرية كلفت الجميع أثمانًا باهظة .
لم تكن أزمة تشكيل المجلس الانتقالي تفصيلًا عابرًا في مسار الحرب ، بل مثّلت لحظة انحراف جوهري عن الهدف الأصلي . فبدل توحيد الجهد السياسي والعسكري ضد الانقلاب الحوثي ، جرى تشويه طبيعة الصراع وتحويله إلى نزاع داخلي داخل المعسكر المفترض أنه معسكر الشرعية . وبدل أن تبقى الدولة هي الإطار الوحيد لاستخدام القوة ، جرى تطبيع وجود فاعل مسلح يفرض إرادته بالسلاح ويغلفها بخطاب سياسي وديني .
الأخطر في هذا المسار لم يكن تعدد الأطراف ، بل غياب المساءلة . فالتحريض على القتل ، وإصدار الفتاوى التي تشرعن سفك الدم خارج أي إطار قانوني ، لا يمكن التعامل معه كخلاف سياسي أو خطاب تعبوي . في منطق القانون الدولي والجنائي ، لا فرق بين من أفتى ومن أمر ومن نفّذ؛ فالجريمة تُبنى كسلسلة متكاملة من القرار إلى الفعل . وبوصف قيادات المجلس الانتقالي قادة كيان غير دولتي ، فإنهم لا يتمتعون بأي حصانة سيادية ترفع عنهم المسؤولية ، سواء كانت مسؤولية جنائية مباشرة أو مسؤولية قيادية عن أفعال تابعيهم .
هذا الانحراف أصاب الشرعية في صميمها فبدل أن تكون مركز الثقل السياسي والعسكري ، جرى تفريغها تدريجيًا وتحويلها إلى طرف هش داخل مشهد مشوّه . تعطّل الحسم ، وتباطأ التنفيذ ، وتحولت المعركة من مشروع استعادة دولة إلى عملية إدارة أزمة مزمنة ، تتبدل فيها الجبهات دون أن يتغير المآل . ومع كل صدام داخلي كانت المسافة تتسع بين الواقع القائم والهدف المعلن.
أما الكلفة الحقيقية ، فقد دفعتها المملكة على أكثر من مستوى . كلفة مادية في حرب طويلة بلا أفق حسم واضح ، وكلفة عسكرية في استنزاف مستمر بفعل الإنحراف المقصود الذي افتعلته “ابوظبي” نتيجة تعدد الجبهات داخل المعسكر الواحد ، وكلفة سياسية وأخلاقية حين تحملت السعودية تصرفات سلوك فاعلين محليين لا يحملون مشروع دولة ولا يخضعون لمنطق المحاسبة .
جوهر المشكلة لم يكن في تعقيد المشهد اليمني وحده بل في القبول بإدارة الفوضى بدل تفكيكها، وبالتعايش مع العنف غير الشرعي بدل محاسبته. فغياب المساءلة أنتج واقعًا مختلًا: لا دولة تُستعاد ، ولا حرب تُحسم ، ولا سلام يُبنى . ومن دون ربط أي تسوية سياسية بمبدأ واضح مفاده أن السلاح لا يكون إلا بيد الدولة ، وأن التحريض والقتل جرائم لا مواقف ، سيبقى الانحراف هو القاعدة وسيظل الاستنزاف مفتوحًا .
من هنا، فإن حل المجلس الانتقالي لا يجب أن يُفهم كنهاية أزمة بل كبداية مسار تصحيحي أوسع ، يعيد تعريف الصراع على حقيقته: معركة دولة ضد انقلاب لا ساحة لتوازنات فصائل . ومن دون محاسبة من أفتى ومن نفّذ (هاني بن بريك و عيدروس الزبيدي) وتقديمهما للعدالة ، وإعادة الاعتبار الصارم لمنطق الدولة والشرعية سيظل الهدف مؤجلًا وستبقى الكلفة تتراكم مهما تبدلت الأدوات وتغيرت الشعارات .