أتصور انه في الملفات الشائكة والمركبة، لا تعود اللغة مجرد وسيلة لإعلان النوايا أو تبرير الإخفاق، بل تتحول إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة على الفعل.
فالكهرباء، بوصفها خدمة أساسية، تكشف جوهر العلاقة بين السلطة والمجتمع: هل نحن أمام دولة تُحسن إدارة مواردها وتُخضع أدواتها للمنطق المؤسسي، أم أمام سلطة تكتفي بإنتاج خطاب يوازي العجز دون أن يلامسه؟
ولذلك أعتقد أن القول يصبح فعلاً ناقصاً ما لم يُستكمل بالفعل على الأرض، وتصبح البلاغة عبئاً حين تنفصل عن القدرة على الإنجاز.
دعوني من فضلكم أكون أكثر صراحة ودقة: ملف الكهرباء في عدن والمحافظات الجنوبية لا يمكن اختزاله في لحظة انقطاع أو موجة غضب موسمية، بل هو في تقديري تعبير مكثف عن تراكمات ممتدة من:
●ا لإهمال
● سوء التخطيط
● غياب الرؤية
لذلك، فإن أي مقاربة جادة لا بد أن تنطلق من "فهم زمني تراكمي" للأزمة، حيث لا يمكن لحلول مؤقتة أو إجراءات إسعافية أن تعالج خللاً بنيوياً بهذا العمق.
بعبارة أخرى أدق وأوضح إننا أمام مسألة تحتاج إلى:
"استمرارية في الفعل"،
و"تكامل في الجهود"،
و"شفافية في الإدارة"،
بعيداً عن تحويلها إلى أداة للمناكفة السياسية أو الاستثمار الظرفي.
بيد أن ما فاقم هذا المسار المتعثر هو "الفساد المنظم"، الذي لم يكن في اعتقادي عرضاً جانبياً بقدر ما كان بنية موازية التهمت جوهر هذا القطاع بالغ الأهمية.
فقد تمدد هذا الفساد ليشمل:
- الوقود
- الصيانة"،
- العقود
- شراء الطاقة"،
محولاً الكهرباء من خدمة عامة إلى "قناة مفتوحة" لاستنزاف المال العام.
وفي مثل هذا السياق، لا تعود الأزمة تقنية أو إدارية فحسب، بل تتحول إلى إشكال أخلاقي وسياسي يعكس خللاً في منظومة القيم الحاكمة، حيث تتراجع فكرة الصالح العام أمام منطق الغنيمة.
وفي خضم هذا التعقيد، تثير محاولات تحريك الشارع تحت لافتة "الخدمات" أسئلة مشروعة حول التوقيت والدوافع، خاصة حين تصدر عن أطراف كانت جزءاً من بنية الإخفاق نفسها. فليس من المنطقي أن يتحول الفاعل السابق في إنتاج الأزمة إلى مدّع لتمثيل ضحاياها.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يُفهم هذا النقد بوصفه رفضاً للاحتجاج في إطاره السلمي، بقدر ما هو دعوة لتمييز الفعل الصادق من التوظيف السياسي.
فالإصلاح في قطاع الكهرباء، رغم بطئه، قد بدأ بالفعل، وهذه لحظة تأسيس ايجابية في غاية الأهمية لا تحتمل الارتداد.
ومن ثم، فإن دعمه شعبياً وإعلامياً وسياسياً يمثل شرطاً ضرورياً لاكتماله، لأن إفشاله لن يعني سوى إعادة تدوير الأزمة في صورتها الأكثر قسوة.





