كتاب «الثقافة العربية وأزمة الخليج» للدكتور فؤاد زكريا لا يتوقف عند حدود تحليل حرب الخليج بوصفها حدثًا عسكريًا أو سياسيًا عابرًا، بل يتعامل معها باعتبارها لحظة كاشفة لبنية أعمق في العقل العربي المعاصر. فالأزمة، في نظره، لم تكن فقط في احتلال دولة لدولة، بل في الطريقة التي فهم بها العرب ذلك الحدث، وكيف تشكلت مواقفهم تجاهه، وما انطوى عليه ذلك من تناقضات فكرية وثقافية واضحة.
ينطلق زكريا من ملاحظة أساسية، وهي أن الخطاب العربي خلال الأزمة اتسم بازدواجية حادة. فمن جهة، كان هناك حديث عن الشرعية الدولية واحترام السيادة، ومن جهة أخرى، جرى تبرير أو التخفيف من خطورة احتلال الكويت بدعوى القومية أو مواجهة الغرب. هذا التناقض لا يراه الكاتب مجرد اختلاف في الرأي، بل يعكس خللًا في منظومة القيم، حيث تغلبت العاطفة والشعارات على المبادئ الثابتة. فكيف يمكن إدانة احتلال في حالة، وتبريره في حالة أخرى، لمجرد اختلاف الفاعل؟
ومن هنا ينتقل إلى نقد أعمق لطبيعة التفكير الأيديولوجي الذي سيطر على كثير من المثقفين العرب. فقد جرى تفسير الأزمة من خلال قوالب جاهزة: مؤامرة إمبريالية، أو صراع مع الغرب، أو دفاع عن الأمة. هذه التفسيرات، في رأيه، لم تكن تهدف إلى فهم الواقع بقدر ما كانت تسعى إلى ليّه ليتوافق مع تصورات مسبقة. وهنا يكمن الخلل، حين يصبح الواقع تابعًا للفكرة، بدل أن تكون الفكرة أداة لفهم الواقع.
ويصل الكاتب إلى نقطة محورية تتعلق بغياب مفهوم الدولة الحديثة في الوعي العربي. فالكثيرون تعاملوا مع غزو الكويت كأنه خلاف عربي داخلي يمكن التساهل معه، لا كاعتداء صريح على دولة ذات سيادة. وهذا يدل، في رأيه، على أن فكرة الدولة، بحدودها وقوانينها وشرعيتها، لم تترسخ بعد في الثقافة السياسية العربية، حيث لا تزال الانتماءات الأوسع أو العاطفية تتقدم على القواعد القانونية الواضحة.
ولا يغفل زكريا عن ظاهرة انتشار التفكير التآمري، التي برزت بقوة خلال الأزمة. إذ جرى تفسير كل ما حدث على أنه نتاج مخطط خارجي، مما أدى إلى تبرئة الذات من أي مسؤولية. ويؤكد أن هذا النمط من التفكير يعطل القدرة على النقد الذاتي، ويجعل المجتمعات تدور في حلقة مفرغة من الأخطاء التي لا يتم الاعتراف بها، فضلًا عن معالجتها.
وفي سياق متصل، يوجه الكاتب نقدًا واضحًا للمثقف العربي، الذي كان يفترض أن يكون صوت العقل، فإذا به في كثير من الأحيان ينحاز إلى الخطاب العاطفي أو الأيديولوجي. بعضهم برر، وبعضهم صمت، وقلة فقط تمسكت بالموقف المبدئي. وهنا يطرح سؤالًا ضمنيًا حول استقلالية المثقف، وقدرته على مقاومة ضغط الشارع أو السلطة أو السرديات السائدة.
ويربط زكريا بين هذه المظاهر كلها وبين طبيعة الثقافة السائدة، التي تميل إلى تمجيد القوة وتبرير الاستبداد، وتخلط بين القومية والشرعية. فالأزمة، في نهاية المطاف، ليست حادثة منفصلة، بل نتيجة تراكمات ثقافية طويلة. ولذلك فإن أي إصلاح سياسي حقيقي لا يمكن أن يتم من دون مراجعة عميقة لهذه الثقافة.
ولا يرفض الكاتب فكرة القومية العربية في ذاتها، لكنه ينتقد استخدامها كأداة لتبرير الأخطاء أو لإلغاء التفكير النقدي. فالقومية، حين تتحول إلى شعار مجرد، تفقد قيمتها، بل قد تصبح عائقًا أمام الفهم السليم للواقع. وهذا ما حدث، في رأيه، عندما جرى توظيفها لتبرير مواقف لا يمكن الدفاع عنها منطقيًا أو أخلاقيًا.
وفي المحصلة، يقدم فؤاد زكريا أطروحة واضحة مفادها أن أزمة الخليج لم تكشف فقط عن خلل في ميزان القوى، بل عن خلل أعمق في طريقة التفكير. فالمشكلة ليست في الحدث ذاته، بل في كيفية قراءته. وإذا لم يتغير هذا النمط من التفكير، فإن الأزمات ستتكرر بأشكال مختلفة، لأن جذورها لا تزال قائمة.
وعند قراءة هذا الكتاب اليوم، يتبين أن كثيرًا من ملاحظاته لا تزال صالحة، بل ربما ازدادت وضوحًا. فما زلنا نرى الازدواجية في المواقف، وهيمنة الخطاب العاطفي، وانتشار نظريات المؤامرة، وضعف النقد الذاتي. وكأن الكتاب لم يكن تحليلًا لمرحلة تاريخية مضت، بل تشخيصًا لحالة مستمرة. وهذا ما يمنحه قيمة خاصة، لأنه لا يشرح الماضي فقط، بل يساعد على فهم الحاضر أيضًا





