كلما استعصى الأمر على والدة حفيدي ، أخذت طفلها من أذنه أو لوحت له بالعصا، وهنا ينقاد مكرهًا لمراجعة دروسه اليومية.
حاولت نصحها بأن الغلظة ليست طريقة ناجعة لتعلم الطفل ، فرمَت بالعصا وقالت هازئة: "هيه! اثبت لي ولو لمرة واحدة أنه يستجيب دون حاجة للهنجمة والتلويح بالعصا".
وبرغم أن الولد نتائجه مشجعة وضمن صفوة الثلاثة الأولى ، لكنني رثيت لحاله، فأراه حين يمسك الآيباد مرحًا منتشيًا ، ويمكنه البقاء متحفزًا أمام الشاشة طوال اليوم دون أكل أو شراب، بينما أراه حزينًا ومتثائبًا حينما يكون الكتاب المدرسي بيده.
وفي كل مرة أقف فيها أمام تصرف طفولي عبثي، أتساءل بحيرة ومرارة: كيف استطاعت المجتمعات المزدهرة أن تعلم كلابها وقططها - ولا أقول أطفالها - النظام الدقيق والصارم، بحيث لا تراها تنام أو تأكل أو تشرب أو تتغوط إلا في الأمكنة المخصصة لها؟!
كيف قدروا؟وأي طاقة صبر لديهم كي يروضوا الأسد والفيل والكلب والحمار ، ويجعلوهم يؤدون ألعابًا رياضية بهلوانية في السيرك وبحركات دقيقة منتظمة؟ بل وأكثر من ذلك، إذ تقوم الكلاب المدربة بمهام أمنية تتعدى قدرات البشر .
وكيف أننا عجزنا عن تربية أطفالنا ، الذين بعضهم في السنة الرابعة والخامسة وما زال يستخدم الحفاضات ولم يهتد بعد إلى المرحاض، أسوة بقطة أو كلب في الدول المتحضرة؟؟
وأزيدكم هنا من تجربة شخصية عشتها ؛ فقبل بضعة أعوام، قررت استغلال وقتي في شيء مفيد، فكنتُ أستغل غيابًا أو ظروف الحالة التعليمية في بلادنا، فأذهب إلى مدرسة قريبة كي أعطي دروسًا للصفين الخامس والسادس .
طبعًا، دروسًا حضارية وبلا عصا، فطالما تبجحت بأن نجاح المعلم يكون بقدرته على مصاحبة تلاميذه وترغيبهم في دروسه، بدلًا من الصراخ والتهديد.
وبعد مدة قصيرة، اكتشفت أن أكثر التلاميذ تمردًا على نظامي الحضاري هم أبناء المعلمين والمعلمات . وهنا وجدت نفسي أسأل مرة أخرى بحيرة:
لماذا يأتي الشغب أولًا من الأولاد؟ وثانيًا من أولاد المعلمين والمعلمات؟ وثالثًا: كيف لمن أخفق في تربية ولده أن يفلح في تعليم أولاد الآخرين؟!
أما أكثر ما أضحكني ، بل ما أفزعني ، هو أننا أنا وجيراني قمنا بوضع يافطة مكتوب على واجهتها: "تحذير.. ممنوع رمي القمامة في هذا المكان".
ولافتة صندوق النظافة والتحسين عليها شعار منظمة صحية وبيئية تابعة للأمم المتحدة ، الى جانب رسمة تعبيرية تشير إلى أن القمامة لا ينبغي أن تلقى في المساحة " .
اعتقدت وجيراني أن وضعنا للافتة الصندوق في واجهة السالكين اننا خلصنا من المشكلة . المفاجئة أن أحدًا لم يتوقف ، زادت كمية القمامة وتراكمت ووصلت الرائحة الكريهة إلى غرف نومنا وأكلنا .
وليت الأمر توقف هنا،بل إننا نهضنا ذات صباح فوجدنا اللافتة قد اقتُلعت، وعندما سألت عن سبب وجيه، أجاب أحدهم ساخرًا: "لقد باعها الشباب المُقْزِّعين -نسبة لتعاطيهم أدوية مخدرة- لأصحاب الخردة، بقيمة تخزينة قات وكيس شمة 'الحوت'".
والأغرب أننا وعند سؤالنا لجيراننا في الحافة الأخرى عن كيفية ازالتهم لتلك المخلفات ؟ وكيف توقف الناس عن رمي القمامة في المكان ؟
فأجابوا أنهم وبعد أن فشلت كل التحذيرات المكتوبة ، وتم تجاهل تلك اللافتات أو سرقتها ، وبعد ان تسرب اليأس إلى نفوسهم ، كان أحدهم قد لجأ إلى فكرة مستفزة ولا أخلاقية ، لكنها حققت نتيجة مجدية .
اشترى طلاء أسود من نوعية البخاخ الرخيص، وكتب جملة واحدة: "الذي يضع القمامة هنا، أنكح ......".
كلمات بذيئة وغير لائقة أو جائزة، لكنها جسدت خصوصية واقعنا، فما زلنا مجتمعًا خارج سياق التحضر، فحين يغيب النظام العام ، تبرز تصرفاتنا وقحة وغير متحضرة ، ونجد أنفسنا أسرى لهذا الواقع الذي لا ينفع معه غير البذاءة والعصا...





