الجمعة، 31 يوليو 2026 | الموافق ١٥ صفر ١٤٤٨ هـ
الرأي

المشكلة في قيادات المجلس وليست مرتبطة بصيغة الحكم

نهج المحاصصة والشللية والمحسوبية

​رغم أن الخلافات بين أعضاء مجلس القيادة الرئاسي أصبحت هي النهج السائد ولم يعد بالإمكان إخفاؤها، إلا أن بعض المبررين يتعاملون معها كالنعامة التي تدس رأسها في التراب، بدلاً من الاعتراف بهذه الحقيقة باعتبارها مشكلة لا تقتصر آثارها على المجلس وأعضائه الثمانية فحسب، بل تمتد لتؤثر على حياة ملايين اليمنيين بتعطيلها لمؤسسات الدولة التي يُفترض أن تعمل لأجل المصلحة العامة.

والآن يخرج جابر محمد –وهو ليس مجرد مستشار للعليمي، بل من المقربين والنافذين لديه، والذي لا يكاد يخلو اجتماع للعليمي مع أي مسؤول من حضوره بجانبه– لا يعترف اليوم بهذه الخلافات وبأنها أصبحت تهدد عمل المجلس فحسب وهو الذي دأب على إنكارها تحت لافتة وحدة الصف، بل يتفق مع تصريحات أحد أعضاء المجلس (السيد سالم الخنبشي) الذي قال إن الصيغة الجماعية لإدارة الدولة غير مناسبة.

​لكن هذا الاعتراف لم يكن إدراكاً كاملاً بأن المشكلة تكمن في وجوه المجلس لا في صيغته، بل مجرد محاولة لتمرير فكرة جديدة يسعى لها العليمي.

هذه الفكرة تتلخص في حصر المشكلة في الصيغة التوافقية أو الجماعية، وليس في الأشخاص أنفسهم الذين يديرون الدولة، وهذا المسعى لا يقتصر على ما يطرحه جابر، بل تروّج له أيضاً "ألفت الدبعي"، وهي كذلك من المقربين للعليمي، إلى جانب عبد الغني جميل، وسنرى وجوهاً أخرى وربما "هاشتاغات" تروج لهذه الفكرة.

​والحقيقة أن المشكلة لا تتعلق بالصيغة الجماعية لإدارة الدولة؛ فمن المعلوم بالضرورة أنها صيغة فاشلة تم تجريبها في التسعينيات. ولا يتعلق الأمر بكون المرحلة التي تمر بها اليمن حالة حرب؛ بل إنها صيغة غير مناسبة حتى لو كانت البلاد في حالة سلام.

المشكلة الحقيقية تتعلق بالأشخاص أنفسهم؛ فهم لا يملكون رؤية وطنية للتعامل مع التحديات والعمل على تحقيق المصلحة العليا، بل إن كل واحد منهم –وقد اعترف العديد منهم بذلك في أكثر من مناسبة، ومنهم على سبيل المثال عيدروس الزُبيدي الذي قال بالحرف الواحد: "إن لكل واحد منا مشروعه الخاص ويحاول أن يعمل على تمكين نفوذه داخل المجلس"– يغرد خارج السرب.

​إذن، المشكلة تتعلق بالأشخاص أنفسهم، فقد مُنحوا فرصة لتقديم نموذج جيد على مدى خمس سنوات، لكنهم فشلوا، ونحن هنا لا نتحدث عن معايير ومؤشرات كبيرة، بل عن الحد الأدنى لأي سلطة. فعلى سبيل المثال:

​لم يستطيعوا الحفاظ على صرف مرتبات موظفي الدولة بانتظام كما كان الحال في عهد هادي.

​لم يستطيعوا التخفيف من انقطاع التيار الكهربائي عن مدينة مثل عدن.

​لم يستطيعوا إنجاز لائحة داخلية تنظم أعمالهم، واستغرق الأمر أربع سنوات؛ وعندما أُنجزت، وبعد أن دُفعت للفريق القانوني نفقات من أموال الشعب وتم تسليمها للأعضاء جميعاً، رفضها بعضهم وأودعوها الأدراج بدلاً من العمل بموجبها!

فلكم أن تتخيلوا مجلساً لا يعمل حتى وفق لائحة داخلية، فكيف يمكننا الحديث عن العمل وفق آليات الدستور والقانون، بغض النظر عن مشروعية المجلس نفسه؟

​إذن، المشكلة تتعلق بهؤلاء الأشخاص، وليس في أحدهم أو بعضهم، وليست مرتبطة بصيغة الحكم فقط؛ فحتى لو تم اختيار أحدهم رئيساً والآخر نائباً له، فلن يتغير الحال؛ لأن المشكلة ستبقى قائمة، وهي أن أولوية هؤلاء –كما أثبتت تجربة السنوات الماضية– هي تعظيم مواردهم ومصالحهم الشخصية.

​من صفات القيادة التضحية والاستعداد لتغليب المصلحة العامة على المصالح الخاصة، فكم من هؤلاء لديه الاستعداد للتضحية بمصالحه؟ وإذا كان هؤلاء لا يحبون العمل من داخل البلاد كما يُفترض، فكيف بما هو أكبر؟

هل نستحضر هنا نماذج سرقة المنح الدراسية لأبناء الفقراء لصالح مقربين من هؤلاء، وهم قادرون على تدريس أولادهم على نفقاتهم الشخصية لكونهم أثرياء؟ فمن يسرق منحة مواطن فقير لا يتجاوز مخصصها المالي أحياناً 400 دولار، كيف يُتوقع منه أن يضحي بمصالحه من أجل استعادة الدولة؟

​لذلك، فإن المقربين من العليمي يروجون لفكرة أن المجلس فشل ليس كصيغة جماعية، وإنما لأن الأعضاء السبعة ينازعونه القرار، رغم أن آلية عمل المجلس تقتضي التوافق. بمعنى أن بعضهم قد يكون مطلبه مشروعاً وينسجم مع آلية عمل المجلس نفسه، وبالتالي، فإن الترويج للتخلص من الأعضاء السبعة الآخرين (أو ستة منهم على الأقل)، وإبقاء العليمي رئيساً واختيار أحدهم نائباً له بوصفه طريقاً للخلاص، هي فكرة غير منطقية؛ إنما تهدف لتكريس استبداد جديد ومزيد من الفشل.

​بينما تقتضي المصلحة الوطنية والحكمة أن تعمل السعودية على طي صفحة هذا المجلس بجميع وجوهه لأنهم فشلوا وأفسدوا جميعاً، ولم يعد لديهم أي فرصة لتقديم أي نموذج آخر.

الحل يكمن في البحث عن شخصيات أخرى تثق بها السعودية –وهم موجودون– على أن يتم اختيار أحدهم رئيساً مؤقتاً وآخر نائباً له وفق الأطر الدستورية من خلال مجلس النواب على أن يكون هذا الرئيس ونائبه ممن يتمتعون بالشجاعة، ولا بأس أن تكون حدود فسادهم 30% لا أكثر!

​علينا أن نتذكّر أن العليمي هو من ساهم في تمكين المشروع الانفصالي الذي يقوده الانتقالي، والذي وصل خطره إلى الأمن القومي السعودي، ولولا تدخُّل السعودية مضطرة، لربما كانت الجمهورية قد انتهت.

وبالتالي، لا يمكن القول إن العليمي كان بريئاً مما حصل، وأن المشكلة تتعلق بالأعضاء الآخرين فقط، فقد كان وما زال ليس فقط جزءاً من المشكلة، بل مشكلة كبيرة بحد ذاته؛ فهو لا يتمتع بالكاريزما، ولا الشجاعة، ولا الاستعداد للتضحية، ولا الكفاءة الإدارية اللازمة لإدارة الدولة في مرحلة كالتي تمر بها اليمن اليوم.

لقد حان الوقت للتخلص من المجلس كصيغة وأشخاصاً، فقد أصبحوا عئباً على اليمن والسعودية.