في بلد أنهكته سنوات الصراع، وضاقت فيه سبل العيش، وتراجعت أدوار كثير من المؤسسات التربوية والاجتماعية، تبدو الأسرة اليمنية واحدة من أهم المساحات القادرة على حماية الإنسان من التصدع والانقسام. فهي ليست مجرد رابطة قرابة أو إطار لتوفير الغذاء والمأوى، بل البيئة الأولى التي يتشكل فيها وعي الفرد بذاته وبالآخرين، ومنها تبدأ علاقته بالمجتمع.
داخل الأسرة يتعلم الطفل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كيف ينظر إلى المختلف عنه، وكيف يتعامل مع الخلاف، وما إذا كان الحوار وسيلة للفهم، أم أن العنف هو الطريق الأسرع لفرض الرأي. وفيها يتعرف إلى معاني الاحترام والرحمة والعدل والتعاون والإصغاء.
كما قد يتعلم، في المقابل، التحيز والإقصاء ورفض الآخر. ولهذا فإن الحديث عن التعايش المجتمعي في اليمن لا يمكن فصله عن طبيعة العلاقات اليومية داخل البيت، فالمجتمع، في جانب كبير منه، صورة موسعة لما يجري داخل الأسر، والقيم التي تمارس في المنزل تنتقل لاحقاً إلى المدرسة والشارع ومكان العمل والمؤسسات العامة.
ولا يحتاج تعزيز التعايش داخل الأسرة إلى دروس نظرية معقدة بقدر حاجته إلى ممارسات يومية ثابتة. فعندما يُسمح للأطفال بالتعبير عن آرائهم، ويُصغى إليهم باحترام، ويتعلمون أن الخطأ لا يلغي كرامة الإنسان، فإنهم يكتسبون مبكراً أدوات الحوار وقبول الاختلاف.
وعندما يُعامل الأبناء والبنات بعدالة، وتوزع المسؤوليات بطريقة منصفة، ويُرفض التنمر والتمييز، فإن الأسرة تضع أساساً عملياً لفهم المساواة والإنصاف. وحين يرى الطفل أن والديه يتعاملان مع الجيران والأقارب وأصحاب الآراء المختلفة بلغة متزنة، فإنه يتعلم أن الاختلاف لا يعني العداء.
أما حين تصبح لغة البيت مشبعة بالسخرية والتخوين والتصنيف، أو يُقدَّم المختلف بوصفه خطراً دائماً، فإن هذه التصورات لا تبقى داخل الجدران، بل تتحول لاحقاً إلى مواقف وسلوكيات عامة. ومن هنا يمكن للأسرة أن تكون حاضنة للتسامح والتفاهم، كما يمكنها، من دون قصد، أن تعيد إنتاج الانقسامات السائدة في المجتمع.
ويأتي الاحترام في مقدمة القيم الضرورية لبناء التعايش. والاحترام هنا لا يعني إلغاء الخلاف أو الامتناع عن النقد، بل الاعتراف بكرامة كل فرد وحقه في التعبير، ورفض الإهانة والعنف اللفظي والجسدي. وتأتي إلى جانبه قيمة الإصغاء، فكثير من النزاعات تبدأ حين يشعر أحد الأطراف بأنه غير مسموع، أو أن رأيه لا قيمة له. والأسرة التي تعتاد الحوار الهادئ، وتمنح أفرادها فرصة للتعبير عن مخاوفهم واحتياجاتهم، تصبح أكثر قدرة على حل خلافاتها من دون قطيعة أو عنف.
كما تمثل الرحمة والتكافل قيمتين أساسيتين، ولا سيما في الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة.
فقد أظهرت التجربة اليمنية أن كثيراً من الأسر استطاعت، رغم محدودية مواردها، أن تحتضن نازحين وأقارب فقدوا منازلهم أو مصادر دخلهم، وأن تتقاسم معهم الطعام والسكن والمسؤوليات.
ومن القيم المهمة أيضاً الشعور بالمسؤولية المشتركة، فتماسك الأسرة لا يتحقق حين يتحمل فرد واحد جميع الأعباء، بل حين يدرك كل فرد أن له دوراً في حماية البيت، وخدمة الآخرين، والمساهمة في حل المشكلات.
ويظل العدل أساساً لا غنى عنه. فالتمييز بين الأبناء، أو تهميش النساء، أو إنكار حق بعض أفراد الأسرة في التعليم أو المشاركة في القرار، يزرع شعوراً بالظلم قد يتحول لاحقاً إلى توتر وصراع. ولهذا فإن الأسرة التي تسعى إلى تربية أبنائها على التعايش مطالبة بأن تقدم لهم نموذجاً حياً في الإنصاف، لا أن تكتفي بالحديث عنه.
وخلال سنوات الأزمة، تحملت النساء اليمنيات، والأمهات على وجه الخصوص، أعباء مضاعفة. فقد أصبحن، في حالات كثيرة، مسؤولات عن إدارة الموارد المحدودة، ورعاية الأطفال وكبار السن، واحتواء آثار النزوح والفقد والقلق، والحفاظ على قدر من الاستقرار داخل البيت. ولم يقتصر دورهن على الرعاية التقليدية، بل امتد إلى العمل وتوفير الدخل، وإدارة الخلافات، وربط أفراد الأسرة بعضهم ببعض، وحماية الأطفال من آثار التوتر والخوف.
لكن الاعتراف بهذا الدور لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتحميل النساء مزيداً من المسؤوليات من دون دعم أو مشاركة. فتقوية الأسرة تتطلب توزيعاً أكثر عدلاً للأدوار، وإشراك النساء في القرارات الأسرية والمجتمعية، وتوفير الحماية القانونية والاجتماعية لهن، لأن الأسرة المتماسكة لا تقوم على إنهاك فرد واحد، بل على الشراكة والتكامل.
وعلى الرغم من أهمية الأسرة، فإنها لا تستطيع وحدها معالجة آثار الحرب والفقر والنزوح وخطابات الكراهية. ومن غير العادل مطالبتها ببناء أجيال متسامحة ومتوازنة بينما تعمل في بيئة تضغط عليها من جميع الجهات.
فالأسرة التي لا تجد دخلاً ثابتاً، أو تعيش في مسكن غير آمن، أو تخشى على أبنائها من التسرب من التعليم أو الوقوع في دائرة العنف، ستجد صعوبة كبيرة في أداء دورها التربوي. كما أن الأب والأم اللذين يواجهان ضغوطاً نفسية واقتصادية متواصلة قد لا يمتلكان دائماً القدرة على إدارة الخلافات بهدوء.
لهذا لا ينبغي أن يقتصر السؤال على كيفية إسهام الأسرة في تماسك المجتمع، بل يجب أن يشمل أيضاً كيفية إسهام المجتمع ومؤسساته في حماية الأسرة نفسها. فالمدرسة تتحمل مسؤولية كبيرة في استكمال ما يبدأ داخل المنزل.
وهي ليست مكاناً لتلقين المعلومات فقط، بل فضاء يلتقي فيه أطفال من خلفيات ومناطق وأسر مختلفة. وعندما تكون المدرسة عادلة وآمنة، وتمنع التنمر والتمييز، وتشجع العمل الجماعي والحوار، فإنها تساعد على تنمية جيل قادر على التعاون مع الآخرين. أما إذا تحولت إلى بيئة للإقصاء أو التلقين أو التمييز، فإنها تضعف الجهود التي تبذلها الأسرة.
ويحتاج التعليم في اليمن إلى منح مساحة أكبر لمهارات الحوار والتفكير النقدي وحل النزاعات والعمل المشترك، بدلاً من الاكتفاء بالحفظ والاختبارات.
كما يحتاج المعلمون والمرشدون إلى أدوات تساعدهم على اكتشاف المشكلات التي يواجهها الأطفال داخل أسرهم ومجتمعاتهم، والتعامل معها بطريقة تربوية تحمي الطفل ولا تزيد من شعوره بالخوف أو العزلة.
ويمتلك الإعلام، بما في ذلك منصات التواصل الاجتماعي، تأثيراً متزايداً في اللغة المستخدمة داخل الأسرة، وفي الطريقة التي يفهم بها الناس الأحداث والخلافات. فالخطاب الإعلامي القائم على التخوين والتحريض والسخرية من فئات المجتمع لا يبقى محصوراً في الشاشات والهواتف، بل ينتقل إلى النقاشات الأسرية ويؤثر في الأطفال والشباب.
وفي المقابل، يمكن للإعلام المسؤول أن يبرز نماذج التعاون والمبادرات المحلية، وينشر ثقافة الحوار، ويقدم محتوى يساعد الأسر على التعامل مع الضغوط والنزاعات.
وتحتاج المؤسسات الإعلامية إلى إدراك أن حرية التعبير لا تعني تحويل المنابر إلى أدوات للكراهية، وأن المسؤولية المهنية تقتضي التحقق من المعلومات واحترام كرامة الأفراد والجماعات. فالكلمة التي تُبث في الفضاء العام قد تتحول إلى موقف داخل البيت، ثم إلى سلوك في المدرسة أو الشارع، ولهذا فإن دور الإعلام في حماية التعايش لا يقل أهمية عن دور الأسرة نفسها.
كما يمكن للمؤسسات الدينية والتربوية أن تسهم في تعزيز قيم الرحمة والعدل والإصلاح بين الناس، وأن تساعد على تخفيف التوترات داخل الأسر والمجتمعات المحلية.
لكن ذلك يتطلب خطاباً منفتحاً يركز على المشترك الإنساني، ويرفض التحريض والتعصب، ويحفظ كرامة المختلف. أما المجتمع المدني فيستطيع تطوير برامج عملية لدعم الأسر، من خلال الإرشاد النفسي والاجتماعي، وتدريب الآباء والأمهات على الحوار وإدارة الخلافات، وإنشاء مساحات آمنة للأطفال والشباب، وتقديم المساعدة للأسر المتضررة من النزوح والفقر والعنف.
ولا ينبغي أن تقتصر هذه البرامج على المدن الرئيسية، بل يجب أن تصل إلى القرى والمناطق النائية ومخيمات النزوح، حيث تكون الحاجة إلى الدعم أكثر إلحاحاً.
كما ينبغي أن تنتقل الجهود من مستوى الندوات والتوصيات العامة إلى مبادرات عملية قابلة للتطبيق والاستمرار، مع توثيق التجارب الناجحة وتبادلها، لأن تعزيز التعايش لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل يحتاج إلى أعمال صغيرة ومتواصلة تغير أنماط العلاقة داخل الأسرة والمجتمع.
ويمكن أن تبدأ هذه المبادرات بجلسات حوار أسرية منتظمة تمنح كل فرد فرصة للتعبير، أو بأنشطة مدرسية تجمع الطلاب حول أهداف مشتركة، أو بلجان مجتمعية تساعد على حل النزاعات المحلية قبل تفاقمها.
كما يمكن إطلاق برامج إعلامية تروي قصص الأسر التي نجحت في تجاوز الانقسامات، وتشجع على استخدام لغة أكثر احتراماً، وتقدم إرشادات عملية للتعامل مع الخلافات بين الأجيال.
وقد يكون من المفيد أيضاً إنشاء مراكز مجتمعية تقدم الاستشارات الأسرية والدعم النفسي، وتدرب المعلمين والمرشدين والقيادات المحلية على اكتشاف المشكلات الأسرية والتعامل معها مبكراً، إلى جانب الاستفادة من الفن والدراما في إيصال الرسائل الإيجابية إلى المجتمع.
إن الأسرة اليمنية قادرة على أن تكون قوة حقيقية لتعزيز التعايش، لكنها لا تستطيع القيام بهذا الدور في عزلة عن المجتمع. فتماسك الأسرة وتماسك المجتمع عمليتان مترابطتان، تقوي كل منهما الأخرى أو تضعفها. وحين يسود الاحترام والعدل والحوار داخل البيت، يصبح المجتمع أكثر قدرة على قبول التنوع وحل النزاعات سلمياً. وحين توفر المؤسسات تعليماً جيداً، وإعلاماً مسؤولاً، وحماية اجتماعية، وفرصاً اقتصادية، تصبح الأسرة أكثر قدرة على تربية أبنائها في بيئة آمنة ومتوازنة.
لذلك فإن بناء التعايش في اليمن يبدأ من التفاصيل اليومية داخل المنزل، لكنه لا يتوقف عند بابه. إنها مسؤولية تتقاسمها الأسر والمدارس ووسائل الإعلام والمؤسسات الدينية والمجتمع المدني والسلطات العامة.
وفي واقع يزداد فيه الانقسام، قد تكون إعادة الاعتبار إلى الأسرة، ودعمها بدلاً من تحميلها مزيداً من الأعباء، واحدة من أهم الخطوات لإعادة بناء الثقة بين اليمنيين، وتوسيع مساحة الرحمة والتعاون، وصناعة مجتمع يرى في تنوعه مصدر قوة، لا سبباً للصراع.





