الخميس، 6 أغسطس 2026 | الموافق ٢٠ صفر ١٤٤٨ هـ
الرأي

الحراك التهامي.. الحقوق تستعاد بالدولة لا بهدمها

الدكتور عادل الشجاع "الخلاف بين رئيس المجلس الرئاسي والحكومة يكشف ضعف القرار اليمني والهيمنة الخارجية ومقتل صالح كان ضمن اتفاق دولي"

ليست مشكلة اليمن في تعدد مناطقه ولا في تنوع هوياته المحلية، وإنما في غياب الدولة التي تحمي حقوق جميع أبنائها. فأبناء تهامة لهم حقوق ومطالب عادلة، كما لأبناء الجنوب والشمال والشرق وسائر اليمنيين، لكن الخطر يبدأ حين تتحول هذه المطالب من وسيلة لاستعادة الحقوق داخل الدولة إلى مشاريع لهويات مبتورة تستثمر المظالم لتفكيك النسيج الاجتماعي والسياسي..

ومن المفارقات التي تكشف جوهر ما أحذر منه أن بعض ردود الفعل المتشنجة على أرائي تذهب إلى وصمي بأني من «الهضبة»، كما هو الحال عند من يقدمون أنفسهم متحدثين باسم الحراك التهامي، أو أني شمالي كما هو الأمر عند من يتحدثون باسم المجلس الانتقالي، جاعلين من الانتماء المناطقي تهمة تستخدم لإسقاط حق الإنسان في التعبير عن رأيه. هذه الردود، تحول الانتماء الجغرافي إلى معيار للحكم على الناس ومواقفهم..

لم يكن الوطن في يوم من الأيام هو الخصم، ولم تكن مشكلتنا في انتمائنا إلى اليمن، المشكلة الحقيقية في غياب المؤسسات والعدالة والمواطنة المتساوية. فالتهامي الذي يطالب بحقوقه لا يحتاج إلى التخلي عن يمنه، والجنوبي الذي يطالب بالإنصاف لا يحتاج إلى تحويل مطالبه إلى قطيعة مع بقية اليمنيين. يستطيع الحراك التهامي أن يتصدر المشهد مطالبا باستعادة الدولة وستكون اليمن معه وخلفه، وأن يكون جزءا من مشروع وطني جامع..

وهنا يجب أن نسأل أنفسنا سؤالا: هل نبحث عن دولة تحمي حقوقنا جميعا، أم عن خرائط جديدة نوزع عليها مظالمنا؟

إن استغلال حاجات الناس وتحويلهم إلى أدوات في صراعات الهوية أخطر ما يمكن أن يحدث لمجتمع أنهكته الحرب والانقسام. فحين تتحول المظالم الحقيقية إلى وقود لمشاريع صغيرة، يصبح المواطن معولا يهدم به الجدار الذي يفترض أن يحميه، ويستبدل الصراع من أجل إصلاح الدولة بصراعات جديدة حول الهوية والحدود والنفوذ!.

من حق اليمنيين، بل من واجبهم، أن يكونوا يقظين تجاه أي مشروع يستثمر في انقساماتهم، خصوصا في بلد يحتل موقعا استراتيجيا بالغ الأهمية على البحر الأحمر والبحر العربي، ويجعل فراغ الدولة فيه مجالا مفتوحا لتنافس القوى الإقليمية والدولية على النفوذ والممرات والمواقع الاستراتيجية..

ولهذا فإن مواجهة الظلم والإقصاء لا تكون بالمطالب المناطقية، وإنما بتحصين المجتمع بالدولة وبالهوية الوطنية. فالمواطن الذي يتخلى عن هويته الكبرى، يكون فريسة سهلة لمن يبيع له وهم الخلاص عبر الانقسام!.

إن المشاريع الصغيرة قد تنجح في استثمار لحظة الغضب، لكنها لا تبني مستقبلا مستقرا، بل قد تؤجل استعادة الحقوق وتزيد الطريق إليها تعقيدا، فاليمن لا يحتاج إلى وطن أصغر، بل إلى دولة أكبر من نزاعاته. المظالم تستعاد بالمواطنة، لا بتقطيع الوطن..

فالمعركة الحقيقية ليست بين تهامة واليمن، ولا بين الجنوب واليمن، وإنما بين مشروع يريد استعادة الدولة ومشاريع تستفيد من استمرار غيابها. والمشروع الوطني الكبير هو وحده القادر على تحويل المظالم إلى حقوق، والانقسامات إلى شراكة، والتنوع إلى قوة، وحماية اليمن من أن يصبح أبناؤه أدوات في صراعات تخدم غيرهم..