الخميس، 6 أغسطس 2026 | الموافق ٢٠ صفر ١٤٤٨ هـ
الرأي

المواقف التي صمدت

المنطقة بين إرث الأزمات وأفق الاستقرار

أذكر أنني قرأت قبل سنوات ملاحظة في أحد كتب الفكر السياسي تقول إن الصراعات الطويلة لا تستهلك الجيوش وحدها، فهي تستنزف الذاكرة أيضًا، لأن الذاكرة هي التي تحدد كيف سيفهم الحدث بعد انقضائه، وكيف ستقرأ مواقف رجاله، ومن سيبقى حاضرًا فيها، ومن ستعيد الروايات تشكيل صورته. توقفت طويلًا أمام هذه الفكرة، ثم وجدت أن كثيرًا مما جرى في اليمن يؤكدها بصورة لافتة. فالمعركة لم تجر على الأرض وحدها، فقد امتدت إلى العقول، وإلى اللغة، وإلى الكيفية التي تحفظ بها الذاكرة العامة الأشخاص والأحداث بعد أن تهدأ المعارك.

المواقف التي صمدت
الدكتور أحمد عبيد بن دغر رئيس مجلس الشورى اليمني


‏بهذا الشعور قرأت ما كتبه رئيس مجلس الشورى الدكتور أحمد عبيد بن دغر. لم أتوقف عند نفي الشائعات، فالشائعة لا تعيش طويلًا في الحياة السياسية، بينما تبقى المواقف أطول عمرًا وأكثر قدرة على التعريف بأصحابها.

الذي استوقفني أن الرجل لم يغيّر موقفه حتى يقال إنه عاد عنه، ولم ينتقل من موقع إلى آخر حتى يقال إنه أعاد حساباته. فمنذ اندلاع الحرب ظل ينظر إلى العلاقة مع المملكة العربية السعودية من القناعة نفسها، ويقرأ دورها في الأزمة اليمنية بالفهم ذاته، في الوقت الذي كانت فيه الساحة السياسية تشهد مراجعات متلاحقة، وتبدلًا في الخطاب، وتغيرًا في مواقف شخصيات كثيرة.

ولهذا ظل الحديث عنه يتجدد كلما عادت هذه العلاقة إلى واجهة النقاش، لأن الذي تبدل طوال تلك السنوات لم يكن موقف بن دغر، وإنما الروايات التي نسجت حوله، وكل رواية كانت تفقد حضورها كلما عادت الوقائع لتفرض نفسها.

‏ولعل هذا ما يجعل العودة إلى مسيرة الحرب اليمنية ضرورية لفهم تلك المواقف. فالمتتبع لأحداثها يلحظ أن تبدل المواقف كان سمة مألوفة فرضتها تعقيدات السياسة وتشابك المصالح، بينما اختار بن دغر أن يترك الزمن يختبر ما آمن به، ولم يسع إلى إعادة صياغة تاريخه كلما تبدلت الظروف.

ظل ينظر إلى المملكة العربية السعودية باعتبارها شريكًا رئيسياً في معركة استعادة الدولة، ومع توالي السنوات أضافت الوقائع شواهد جديدة إلى هذا الموقف، حتى أصبحت العودة إلى تصريحاته القديمة كافية لفهم ثبات رؤيته وصدقه دون حاجة إلى كثير من الشرح.

‏وربما لهذا السبب أجد أن ما كتبه اليوم يكتسب أهميته من المسار الذي يقف خلفه أكثر مما يكتسبها من المناسبة التي كتب فيها. فالمواقف التي تنطلق من قناعة راسخة لا تحتاج إلى إعادة تقديم نفسها في كل محطة، لأنها تترك للسنوات مهمة اختبارها.

وما يلفتني في تجربة بن دغر أن الرجل لم يبحث يومًا عن لغة جديدة تفسر ماضيه، ولم يحاول الاحتماء بتأويلات متأخرة، فقد ترك لمسيرته السياسية أن تتحدث عنه، وترك للأحداث أن تمنح كلماته معناها الحقيقي. وأحسب أن هذه هي الشهادة الأكثر إنصافًا لأي سياسي، فالأيام لا تجامل أحدًا، لكنها تمنح احترامها لمن حافظ على اتساقه، وترك للزمن أن يقول الكلمة الأخيرة.