كل أمة مرت بمنعطف تاريخي كان أمامها خياران لا ثالث لهما: إما أن تواصل السير بعقلية الأمس فتتجمد في مكانها، وإما أن تفتح الباب لجيل جديد يحمل أدوات زمنه، فيصنع مستقبلًا مختلفًا. أما أن نحاول صناعة الغد بعقول توقفت عند الأمس، فذلك أشبه بمن يريد الإبحار في القرن الحادي والعشرين بسفينة صنعت لقرون مضت.
اليمن اليوم لا يعيش أزمة موارد، بل أزمة إدارة. ولا يعاني من نقص في الرجال، بل من غياب الفرصة. آلاف الكفاءات اليمنية تحمل شهادات وخبرات وتجارب تراكمت خلال سنوات الحرب والغربة والعمل، لكنها ما زالت تقف خلف أبواب مغلقة، بينما تتكرر الأسماء نفسها، وتُعاد الوجوه نفسها، وتُمارس الأخطاء نفسها، وكأن الزمن لم يتحرك خطوة واحدة.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة بعد الحروب ليس الدمار، بل الإصرار على إعادة إنتاج الأسباب التي قادتها إلى الدمار. فالدولة التي لا تتعلم من أخطائها محكومة بأن تعيشها مرة بعد أخرى، ولو تغيرت الشعارات واللافتات.
المستقبل لا يحتاج إلى من يحفظ الملفات القديمة، بل إلى من يصنع ملفات جديدة. يحتاج إلى قيادات تؤمن بالتخطيط، وإلى مؤسسات تُدار بالكفاءة، لا بالولاء، وبالتخصص، لا بالمحاصصة. فالدول لا تنهض بالمجاملات، وإنما تنهض عندما يصبح المنصب مسؤولية ثقيلة لا جائزة سياسية.
لقد دفعت اليمن ثمنًا باهظًا لأن معيار الاختيار كان في كثير من الأحيان الانتماء قبل الكفاءة، والولاء قبل القدرة، والعلاقة قبل الإنجاز. وكانت النتيجة مؤسسات ضعيفة، وإدارة مترهلة، وشبابًا وجد نفسه بين الهجرة أو البطالة أو ميادين الحرب.
وليس المقصود إقصاء جيل أو التقليل من قيمة الخبرة، فالخبرة كنز لا يُستغنى عنه، لكن الكنز يفقد قيمته إذا تحول إلى احتكار. الحكمة الحقيقية ليست أن يبقى الجيل القديم ممسكًا بكل شيء، وإنما أن يصنع جيلًا جديدًا يتسلم الراية ويكمل الطريق. هكذا تُبنى الدول، وهكذا تستمر الأمم.
إن اليمن بحاجة إلى ثورة إدارية هادئة، تُعيد الاعتبار للكفاءة، وتمنح الشباب المؤهل حقه الطبيعي في القيادة وصناعة القرار. فكل يوم تتأخر فيه هذه الخطوة، نخسر عقلًا جديدًا، ونفتح بابًا آخر للهجرة والإحباط.
لا تبنوا المستقبل بعقول الماضي إذا كانت تلك العقول ترفض التغيير، وتخشى المنافسة، وتؤمن بأن الوطن لا يُدار إلا بالوجوه نفسها. ابنوا المستقبل بعقول تؤمن بأن الدولة أكبر من الأشخاص، وأن المؤسسات أبقى من الأفراد، وأن الأوطان لا تُورَّث، بل تُبنى بسواعد أبنائها جميعًا.
فاليمن التي نحلم بها لن تولد من رحم الأساليب القديمة، ولن تقوم على عقلية الغنيمة والمحاصصة، وإنما ستولد يوم يصبح معيار المسؤولية هو الكفاءة، ويصبح الولاء الأول للوطن، ويُفتح الطريق أمام جيل لم يطلب امتيازًا، بل طلب فرصة. وعندما تأتي تلك اللحظة، لن يكون المستقبل امتدادًا للماضي، بل بدايةً ليمنٍ جديد يليق بتضحيات شعبه.





