الثلاثاء، 8 سبتمبر 2026 | الموافق ٢٥ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ
الرأي

السلام ليس حقاُ دولياً في تجميد الحرب على حساب حق اليمنيين .

الحوثيون واستدعاء الحرب: من جلب القصف إلى التنكر له"

ليس من الصعب أن نفهم لماذا يتحرك المبعوث الأممي هانس غروندبرغ ،لوقف التصعيد في اليمن. فهذه هي طبيعة مهمته، منع اتساع الحرب، حماية فرص التسوية، والدفع نحو عملية سياسية. وقد ظل خطاب الأمم المتحده منذ عشر سنوات قائمًا على خفض التصعيد والعودة إلى المسار السياسي.

لكن المشكلة تبدأ حين يتحول خفض التصعيد، من وسيلة إلى غاية، وحين يصبح مجرد توقف العمليات العسكرية أهم من السؤال الذي أنتج الحرب أصلًا..¡

من يملك الدولة اليمنية، ومن يملك السلاح، ومن يملك قرار الحرب والسلام؟هنا ينبغي أن يكون السؤال اليمني الى الامم المتحده أكثر صراحة، هل المطلوب إيقاف الحرب، أم إنهاء أسبابها؟

الفرق بين السؤالين هائل.

إيقاف الحرب يمكن أن يتم في يوم واحد بقرار سياسي أو اتفاق هدنة. أما إنهاء أسباب الحرب فيحتاج إلى معالجة أصل المشكلة: جماعة مسلحة استولت على مؤسسات الدولة، وأقامت سلطة موازية، واحتفظت بقرار القوة والسلاح.

ثم أصبحت طرفًا تفاوضيًا يُطلب من الدولة أن تتعامل معه بوصفه حقيقة سياسية مساوية لها ،وهذه هي المفارقة التي ينبغي ألا تضيع في الخطاب الأممي.

فاليمنيون الذين يطالبون باستكمال تحرير بلادهم لا يرفضون السلام بالضرورة. بل قد يكون، في جوهر مطلبهم، أكثر الناس بحثًا عن السلام؛ لكنهم يريدون سلامًا ينهي الحرب واسبابها ، لا سلامًا يجمد نتائجها ،ويضخم اسبابها هناك فرق بين السلام وبين تجميد ميزان القوة.

السلام الحقيقي يبدأ عندما يصبح السلاح خاضعًا للدولة، والقرار السياسي صادرًا عن مؤسساتها، والسيادة غير قابلة للتجزئة. أما أن تتوقف المعارك بينما تبقى الجماعة المسلحة محتفظة بقوتها العسكرية ومؤسساتها وسلطتها ومناطق سيطرتها، فذلك ليس نهاية للحرب، وإنما نقل لها من ميدان القتال إلى ميدان الانتظار.

ياهانس غروندبرغ ،ليس من حق المجتمع الدولي أن يطلب من اليمنيين أن يتوقفوا عن استعادة دولتهم ،لمجرد أن المجتمع الدولي يخشى كلفة الحرب.فالخوف الدولي من الحرب مفهوم. لكن الخوف اليمني من استمرار الانقلاب مفهوم أيضًا.بل إن اليمنيين هم الذين سيدفعون ثمن أي تسوية خاطئة، وليس المبعوث الدولي.

فانتم يانس غروندبرغ ستغادرون في نهاية مهمتكم ، والدول الكبرى ستنتقل إلى ملفات أخرى، والمجتمع الدولي سيصدر بيانًا جديدًا عندما تقع أزمة جديدة.

أما اليمنيون فسيبقون مع النتيجة.سيبقون مع مليشيا ارهابيه، سيبقون مع الدولة التي ستولد من التسوية، ومع شكل الجيش، ومع طبيعة السلطة، ومع مصير السلاح، ومع السؤال الأخطر: هل انتهت الحرب فعلًا أم جرى تأجيل الجولة التالية؟

لذلك فإن التعامل مع المطالبة اليمنية باستكمال تحرير اليمن من المليسيا الحوثيه باعتبارها مجرد «تصعيد» يختزل المشكلة اختزالًا خطيرًا. فقد تكون العمليات العسكرية، في لحظة معينة، جزءًا من إعادة تشكيل ميزان القوة الذي يجعل السلام ممكنًا أصلًا.

فالتاريخ السياسي للصراعات يخبرنا أن التسويات المستدامة لا تنشأ دائمًا من غياب القوة، بل كثيرًا ما تنشأ عندما يصبح لدى الأطراف إدراك واضح بأن ميزان القوة لا يسمح لها بفرض مشروعها بالكامل.

ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن نوجهه إلى الجهد الأممي، ليس لماذا لا توقفون الحرب؟ بل ما الخطة التي ستمنع عودة الحرب بعد إيقافها؟

إذا كانت الإجابة هي عملية سياسية شاملة، فالسؤال التالي يصبح أكثر صعوبة ،على أي أساس ستجري هذه العملية؟هل على أساس دولة واحدة أم سلطات متعددة؟

هل على أساس جيش واحد أم جيوش؟ هل على أساس احتكار الدولة للسلاح أم الاعتراف بالسلاح كأداة سياسية؟
هل على أساس مرجعيات الدولة اليمنية وقرارات الشرعية الدولية، أم على أساس ميزان السيطرة الميدانية الذي صنعه الانقلاب؟

هذه ليست تفاصيل تفاوضية.

هذه هي جوهر القضية اليمنية.

ولذلك فإن أي تحرك دولي لوقف تقدم القوات الحكومية، ينبغي ألا يتحول، بصورة غير مباشرة، إلى آلية لحماية الأمر الواقع.

فالمجتمع الدولي يستطيع أن يطالب بحماية المدنيين. ويستطيع أن يرفض استهداف المنشآت المدنية.ويستطيع أن يضغط من أجل قواعد اشتباك تحمي السكان.ويستطيع أن يدفع نحو مفاوضات.

لكن ليس من المنطقي أن يصبح حماية المدنيين غطاءً سياسيًا لحماية سلطة الأمر الواقع الارهابيه . كما أن الدعوة إلى السلام يجب ألا تعني مطالبة الدولة وحدها بتقديم التنازلات العسكرية، بينما تبقى الجماعة التي بدأت الأزمة محتفظة بمصادر قوتها.

السلام المتوازن يحتاج إلى توازن في الالتزامات، لا إلى تجميد انتقائي للقوة.

وهنا تقع مسؤولية الحكومة اليمنية أيضًا.فإذا كانت ترى أن استكمال التحرير هو الطريق إلى استعادة الدولة، فعليها ان تحترم دكاء الشهدا وان تستجيب لمطالب شعبها في استكمال التحرير. وليس الى مطالب المبعوث الاممي ثانيا عليها أن تقدم للمجتمع اليمني وللمجتمع الدولي تصوراً واضحاً لما بعد التحرير: وماذا ستفعل الدولة؟ وكيف ستدمج القوات؟
وكيف ستعيد المؤسسات؟
كيف ستضمن حقوق المواطنين؟
كيف ستتعامل مع المناطق التي كانت تحت سيطرة الحوثيين؟
كيف ستمنع الانتقام؟
كيف ستعيد بناء الجيش والأمن؟
وكيف ستنتقل من منطق الغلبة العسكرية إلى منطق الدولة؟

عندها فقط يصبح استكمال التحرير مشروعًا سياسيًا، لا مجرد عملية عسكرية.

أما أن تتوقف الحرب دون أن تولد الدولة، فذلك ليس سلامًا.
إنه هدوء مسلح ينتظر اللحظة التي تنفجر فيها الجولة التالية.

ولهذا فإن ردنا على التحرك الأممي هو الاتي ،نحن مع السلام، لكننا نرفض السلام الذي يحفظ أسباب الحرب، نحن مع خفض التصعيد، لكننا نرفض أن يكون خفض التصعيد وسيلة لتجميد الانقلاب.

نحن مع التفاوض، لكننا نرفض أن يكون التفاوض بديلًا عن الدولة.ونحن مع الحل السياسي، لكننا نعتقد أن الحل السياسي الحقيقي يجب أن ينتهي إلى دولة واحدة، وسلطة واحدة، وجيش واحد، وسلاح واحد، وقرار سيادي واحد.فاليمن لا يحتاج إلى هدنة جديدة بقدر ما يحتاج إلى نهاية تاريخية لفكرة الدولة الموازية.

وهذه هي النقطة التي ينبغي أن يفهمها المبعوث الأممي،
ليس كل تقدم عسكري تهديدًا للسلام، كما أن ليس كل وقف لإطلاق النار سلامًا.

أحيانًا يكون الخطر الحقيقي على السلام هو أن تُجبر الدولة على التوقف قبل أن تستعيد قدرتها على فرض السلام ،وأحيانًا تكون المهمة الأصعب أمام الدبلوماسية الدولية ليست إيقاف المعركة، وإنما التأكد من أن إيقافها لن يجعل الحرب القادمة أكثر احتمالًا.

اليمنيون لا يطلبون من العالم أن يحارب بالنيابة عنهم انهم يطلبون شيئًا أكثر بساطة ،ألا يُطلب منهم التخلي عن حقهم في استعادة دولتهم قبل أن يحصلوا على ضمان حقيقي، بأن الدولة لن تبقى رهينة للسلاح خارج مؤسساتها.

فإذا كان الهدف هو السلام، فليكن السؤال
أي سلام؟سلام ينهي الحرب؟
أم سلام يحفظ شروط عودتها؟

الفرق بين الاثنين هو الفرق بين إنهاء الأزمة وإدارة الأزمة،
واليمن لم يعد يحتمل مزيدًا من إدارة أزمته. إنه يحتاج، أخيرًا، إلى حلها.