أنا لا أعرف الإمام يحيى حميد الدين، وهو لا يعرفني، وهذه راحة مشتركة للطرفين. لكنني قرأت شيئاً من تاريخه، ثم تابعت الحوثيين، فوجدت أن الفرق بين النسختين ليس كبيراً: الإمام كان يرسل الجباة على البغال، والحوثي يرسل المشرفين في سيارات الدفع الرباعي. أما المواطن، فيبقى هو نفسه: يدفع أولاً، ويُطلب منه أن يشكر لاحقاً.
جماعة الحوثي لا تخفي شهيتها للطرق والمرتفعات ومنافذ الحركة. وهي تعرف أن من يراقب الساحل والجبال يستطيع أن يزعج خصومه أكثر مما تفعله الخطب والبيانات.
لذلك، فالحجرية ليست هامشاً ريفياً بعيداً عن السياسة، ولا مجرد اسم قديم يتذكره الناس في أحاديثهم عن تعز. إنها جغرافيا طرق وجبال وناس وأسواق، وتاريخ لا يقبل أن يُدار من آخر الطابور.
وأنا أفهم شغف الجماعات المسلحة بالمرتفعات. فهذه الجماعات، مثل الطيور الجارحة، تحب أن تقف فوق القمم لتراقب الطرق وتعدّ ما في جيوب العابرين. ما لا أفهمه هو برود الحكومة الشرعية، التي تتعامل مع الحجرية كأنها تقع في جزر هاواي، لا في قلب الجغرافيا اليمنية المشتعلة.
وليس من الحكمة أن يفترض أحد أن منطقة لها هذا التاريخ في مقاومة الحكم المركزي والقهر ستتحول فجأة إلى طريق سهل أمام أي سلطة مسلحة.
في عام 1920، حين قرر الإمام يحيى أن يثقل كاهل الناس بضرائب جائرة، قامت المقاطرة في الحجرية بقيادة حميد الدين الخزفار. قاوم الرجل حملات الإمام، ثم مات في سجن صنعاء عام 1942، من دون أن يشتري حريته بالانحناء.
وحين ضاق الإمام بأهل قَدَس، خرجت منه شتيمته المعروفة: «قَدَس نجس، آخر آية من عبس». وأنا أعتذر لأهل قَدَس عن تكرار الإهانة، لكنها تحولت مع الزمن إلى شهادة تاريخية: فالطغاة لا يشتمون عادةً من ينجحون في إخضاعهم.
ثم جاءت ثورة الدستور عام 1948، ودفع الشيخ عبدالوهاب نعمان حياته ثمناً لمشروع يمني مختلف. وقبله، سُجن الشيخ جازم الحروي، وهُدمت داره بسبب نشاطه الإصلاحي.
وبين السجن والمنفى والصحيفة والمدرسة، خرج من الحجرية رجال جعلوا الإصلاح عادةً سياسية، لا موسماً انتخابياً: أحمد محمد نعمان، والشيخ عبدالله الحكيمي، والشاعر عبدالله عبدالوهاب نعمان، «الفضول»، وعبدالغني مطهر. هؤلاء لم يحملوا قضية الناس بوصفها مناسبةً للخطابة، بل بوصفها معركةً طويلةً ضد حكم يرى المواطن مصدراً للجباية، لا صاحب حق.
لكن شر البلية ما يضحك، والضحك هنا من روتين حكومتنا الميمونة.
بين يدي دراسة رصينة تطالب بإعلان محافظة الحجرية، على أن تكون مدينة التربة عاصمتها. وهذه ليست رغبة في صناعة محافظة من العدم، ولا منافسة مع تعز، ولا نكاية بأحد. فمديرية الشمايتين، ومركزها التربة، تمتد على نحو 618 كيلومتراً مربعاً، وتضم 33 عزلة ونحو 350 قرية، وكان عدد سكانها في التعداد السكاني لعام 2004 نحو 152 ألف نسمة. وهذه مديرية واحدة فقط ضمن المجال الذي يناقشه مشروع المحافظة.
والتربة ليست اسماً يوضع على ورقة لأن أهلها يحبونها. هي مدينة تؤدي بالفعل وظائف مركز إداري وتجاري وخدمي لمديريات واسعة؛ فيها السوق والحركة والمستشفيات والمدارس، وفيها ناس يعرفون أن معاملاتهم لا ينبغي أن تسافر نحو سبعين كيلومتراً إلى مدينة تعز كي تجد توقيعاً، وأن سيارة الإسعاف لا ينبغي أن تفاوض الجبال والوقت كلما احتاج مريض إلى قرار أو خدمة.
ولهذا، فإن قضية الحجرية ليست منافسة مع تعز، بل محاولة لإنقاذ تعز من مركزية تستهلك أطرافها وتتركها تتدبر أمرها وحدها. فتعز لا تصبح أقوى حين تبقى كل المعاملات متجهة إلى مركز واحد، بل حين تصبح خدماتها أقرب، وإدارتها أسرع، ومسؤوليتها موزعة بعدل على جغرافيتها الواسعة.
والأطرف من ذلك أن أبناء الحجرية ورجال أعمالها قالوا للدولة إنهم مستعدون للمساهمة في كلفة البداية. لا يطلبون قصراً للمحافظ، ولا أسطولاً من السيارات، ولا بوابات رخامية، ولا حفلاً كبيراً تقطعه الكاميرات ثم تترك خلفها التراب كما وجدته.
يطلبون قراراً، وإدارةً، ومؤسسات، وبدايةً منظمةً تستطيع الدولة أن تحميها بالقانون. ومع ذلك، يبدو أن أصعب شيء في اليمن ليس بناء مبنى، بل توقيع ورقة.
المطلوب ليس انفصالاً عن تعز، ولا رسم حدود في زمن الحرب، ولا فرض مديريات على أحد. المطلوب قرار جمهوري مبدئي يفتح مسار إنشاء محافظة الحجرية، ثم لجنة قانونية وفنية ومجتمعية ترسم نطاقها الإداري بالتوافق، وتضمن حقوق المديريات، وتقدّر احتياجاتها ومواردها، وتضع انتقالاً هادئاً من التهميش إلى الإدارة. فالمسألة ليست اختراع بلد جديد، بل استخدام أدوات الدولة القائمة.
الحوثي يعرف أين تقع الحجرية على الخريطة، فاحذروا أن تظل الحجرية في أدراجكم مجرد «معاملة قيد الدراسة»، حتى يستيقظ الناس ليجدوا المشرف الحوثي جالساً فوق المعاملة.





