الأحد، 27 سبتمبر 2026 | الموافق ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ
الرأي

القـضاء على البـطالة والفـقر أول طرق مـكافحة الجـريمة والفـساد

الفـسـاد عـائـق أمام الإصـلاح والنـهـض.

الـدولة التي تريد أن تنتصر على الجريمة والفساد لا ينبغي أن تبدأ دائمًا من السجن؛ بل عليها أن تبدأ من الشارع الذي خرج منه الجاني، ومن المؤسسة التي سمحت للفساد بالنمو، ومن الاقتصاد الذي عجز عن توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة.

فـ الجـريمة لا تولد في فـراغ، والفـساد لا يظهر من تلقاء نفـسه. وكلاهـما يجد بيئة أكثر قابلية للنمو حين تتراجع فرص العمل، ويتسع الفقر، وتضعف مؤسسات الدولة، ويشعر المواطن أن القانون بعيد عن حياته اليومية.

وهـذا لا يعـني أن الفـقر عذر للجريمة، أو أن البـطالة مبرر للانحراف.

فـ المسـؤولية الجـنائية تظل قائمة، والقانون يجب أن يُطبَّق على الجميع دون استثناء؛ لكن الدولة التي تكتفي بمعاقبة النتائج وتترك الأسباب تتكاثر، ستظل تطارد الجريمة دون أن تنهي أسبابها.

والبـطالة ليست رقمًا في تقرير اقتصادي؛ إنها شـاب أنهى دراسته ولم يجد بابًا يدخل منه إلى الحياة.

والفـقر ليس مؤشرًا ماليًا؛ إنه أسـرة تتراجع قدرتها على توفير احتياجاتها الأساسية، ومواطن يفقد شيئًا من ثقته بالغد مع كل أزمة جديدة.

ومـن هـنا تبدأ المسؤولية السياسية للدولة.

فـ خـلق فرص العمل، وحماية الأجور، ودعم الإنتاج، وتشجيع الاستثمار، وتمكين الشباب، وربط التعليم بسوق العمل، ليست ملفات اقتصادية منفصلة عن الأمن؛ إنها جزء من منظومة الوقاية من الجريمة؛ لأن الإنسان الذي يمتلك عملًا ودخلًا ومستقبلًا أكثر قدرة على حماية نفسه ومجتمعه من الوقوع في شبكات الاستغلال والجريمة.

أمـا الفـساد، فمعركته تبدأ من مكان آخـر: من داخل مؤسـسات الدولة نفـسها.

فـلا يمكن مواجـهة الفـساد بإصدار القوانين فقط إذا بقيت الرقابة ضعيفة، والإجراءات غامضة، والوظيفة العامة قابلة للاستغلال، والمال العام بلا حماية كافية؛ فالقانـون يحتاج إلى مؤسسات تنفذه، والرقابة تحتاج إلى استقلال وفاعلية، والمساءلة تحتاج إلى إرادة لا تتوقف عند حدود النفوذ.

وفـي الوطـن، لم يعد ممكنًا التعامل مع الفقر والبطالة والفساد باعتبارها ملفات مؤجلة إلى ما بعد انتهاء الصراع؛ فالحـرب لا تستهلك السلاح والموارد وحدهما، بل إنها تستنزف فرص العمل، وتضعف الإنتاج، وتوسع دائرة الاحتياج، وتضغط على مؤسسات الدولة والمجتمع في آن واحد.

ولـهذا فـإن استعادة الدولة يجب أن تعني أكثر من استعادة السيطرة على الأرض؛ فمعناها الحقيقي أن تستعيد الدولة قدرتها على حماية المال العام، وتنظيم الاقتصاد، وتوفير فرص العمل، وصيانة حقوق المواطنين، وفرض القانون.

فـ الأمـن الذي لا يصاحبه اقتصاد منتج يبقى هشًا، والقانون الذي لا تحميه مؤسسات قوية يبقى ناقص الأثر، والاقتصاد الذي لا يحقق عدالة الفرص يترك خلفه أسبابًا جديدة للاحتقان والانحراف.

والـدولة لا تستطيع أن تبني مجتمعًا آمنًا وهي تترك المواطن يصارع الفقر وحده، ولا تستطيع أن تطلب من الشباب أن يكونوا خط الدفاع الأول عن الوطن ثم تتركهم بلا عـمل ولا أفـق.

والمـعادلة واضحة: كلما اتسعت دائرة العمل والإنتاج، ضاقت مساحة اليأس والاستغلال. وكلما قويت مؤسسات الرقابة والمساءلة، ضاقت مساحة الفساد.

لـذلك، فـإن القـضاء على البطالة والفقر ليس مشروعًا اقتصاديًا هامشيًا، بل هو جزء من الأمن الوطني، ومن العدالة الاجتماعية، ومن الوقاية الجنائية، ومن بناء دولة القانـون.

وعـليه نقـول: إن الدولة الذكية لا تنتظر الجريمة حتى تقع ثم تبحث عن العقوبة، بل تبني مجتمعًا تقل فيه دوافع الجريمة، ومؤسسات تضيق فيها منافذ الفساد.

فـ مكافـحة الجريـمة تبدأ قبل أن تُرتكب، ومكافحة الفـساد تبدأ قبل أن تُسرق أموال الدولة، وبناء الأمـن يبدأ حين يشعر المواطن أن له مكانًا في وطنه، وفرصة في اقتصاده، وحماية في قانونه.

تـلك هي المـعركة التي تستحق أن تخوضها الدولة: أن تُغـلق أبـواب الفـقر والبـطالة أمام المواطن، وأبـواب الفـساد والجريـمة أمام من يحاول أن يجـعل من ضعـف الدولة طريقًا لمصلحـته.

.