تعز تختبر فاعلية التعبئة الشاملة، والقتال بالجماهير. الجندي، الكائن الميري الموظف، لن يوقف سيل الزنابيل ليل- نهار. تعالَج الزنابيل بالدبابير، والقناديل باللهب.
الحوثي، بعد شهر من النزيف والهلاك، يريد أي نصر يبيعه للقبائل. يرغب، بشدة، في لافتة يرفعها أمام القبائل عليها: من أجل هذا ذهبت دماء أبنائكم. خسارته عميقة، وصلت إلى نخاع عظامه. القبائل تلد زنابيل، وكانت تلد بشراً طيبين من قبل. يموتون زنابيل، وكان بمقدورهم أن يعيشوا يمنيين.
هذه الحرب خطرة؛ أخطر من أي جولة. فإذا لم تتم الإطاحة بالحوثي من كل اليمن فسوف تتشظى البلاد. أما هو فها هي المعارك تثبت أنه ليس أخيليس، ولا حتى ضفعة حصانه. واضح أن القوات الجنوبية، الجيش والمقاومة في مأرب، وأهل تعز باتوا قادرين على كسر لقفه في كل مرة يتطاول فيها ويفكر بالغزو. لم ينتصر حتى الآن سوى على "الابن الضال".
هذا أمر جيد للغاية، ولكنه يضيف إلى التعقيدات الوجودية للمسألة اليمنية. فإذا كان الطرفان (اليمنيون من جهة وبني عبدكلب من جهة أخرى) غير قادرين على الحسم فسوف تنتهي المعركة وتستمر الحرب. الحرب بما فيها من تشظي وضياع ومتاهة وفقر وعزلة. سيقع عشرات الملايين فريسة لهذا السيناريو الكارثي. الطريق الآمن، إذاً، هو أن يستجمع اليمنيون كل طاقتهم ويقتلعوا عش الدبابير. وجع ساعة ولا كل ساعة.
الحرب المستدامة تعلم الناس الكثير، من ذلك: الفيزياء والتصنيع والتحمّل. صار الأوكرانيون، خلال وقت قصير، سادة العالم في علم المسيرات. الحرب المستدامة والمعركة مفتوحة النهايات تأتي على حساب سلامة الشعب والأرض وحتى السردية التاريخية. هي معادل موضوعي للفناء، لتلاشي الذات بوصفها حقيقة في التاريخ ومكاناً على الخارطة.
هناك حروب لا بد منها للوصول إلى الاستقرار، والحرب مرة تتطلب الصبر والدأب والجماعية. مرات كثيرة فكر جورج واشنطن بالاكتفاء بما وقع تحت يده، لو فعل لما شهد العالم تلك الإمبراطورية التي ستغير تاريخ العلوم والفنون.
سئم اليمنيون هذه المتاهة، وهي أكثر مراراً من الحرب.
أما الحوثي فيقاتل منذ ٨ قرون، لأن الله أخبر آل البيت أنهم أعلى كعباً من أهل اليمن، وأقوم سبيلاً. الله وشوشهم بذلك، يقولون. ولكن اليمنيين لديهم حقائق أخرى. فلم يشهدوا انحطاطاً بشرياً يداني انحطاط بني عبد كلب بن مناف رضوان الله عليهم أجمعين.





