الأحد، 4 أكتوبر 2026 | الموافق ٢١ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ
الرأي

التعليم العام والجامعي.. قضية دولة وأمن مجتمع

الفـسـاد عـائـق أمام الإصـلاح والنـهـض.

في الدول التي تنظر إلى المستقبل بعين الدولة، لا يُعامَل التعليم باعتباره قطاعًا خدميًا فحسب، ولا تُقاس أهميته بعدد المدارس والجامعات أو أعداد الخريجين.

فالتعليم، في جوهره، أداةٌ لإعادة تشكيل المجتمع، وبناء الدولة، وحماية أمنها واستقرارها.

إن الأمن الذي تبحث عنه الدول لا يُبنى كله خلف أبواب المؤسسات الأمنية، ولا تُعالَج أسبابه دائمًا بتشديد العقوبات؛ فجزءٌ أساسيٌّ من الأمن يُصنَع في المدرسة والجامعة، حيث يتشكّل وعي الإنسان، وتتكوّن شخصيته، ويتعلّم احترام القانون، وقبول الاختلاف، وتحمّل المسؤولية، والتمييز بين الحق والباطل.

ومن هنا، فإن العلاقة بين التعليم والأمن ليست علاقة نظرية؛ فكل نظام تعليمي قادر على بناء إنسان واعٍ ومنتج ومسؤول، يضيف إلى قدرة الدولة على الوقاية من الجريمة والانحراف والفوضى، ويحدّ من البيئات الاجتماعية التي تسمح بتناميها.

أما التعليم الجامعي، فإنه يتجاوز وظيفة التأهيل المهني إلى صناعة الكفاءات التي تحتاج إليها الدولة في القضاء والإدارة والاقتصاد والصحة والهندسة والقانون وسائر مؤسساتها.

فالجامعة القوية ليست مؤسسة تمنح الشهادات فقط؛ إنها مصنع للعقول التي تدير الدولة، وتحمي مؤسساتها، وتصنع قراراتها.

وفي الوطن، لا يمكن التعامل مع التعليم بمنطق الأولويات المؤجَّلة بحجة الحرب أو الأزمة الاقتصادية؛ فالدول التي تمرّ بالأزمات تحتاج إلى التعليم أكثر من الدول المستقرة؛ لأن إعادة بناء الدولة بعد الأزمات تبدأ بإعادة بناء الإنسان القادر على حمل مؤسساتها.

ومن غير المنطقي أن تنفق الدولة موارد كبيرة على معالجة نتائج الجريمة، ثم تنظر إلى التعليم باعتباره عبئًا ماليًا؛ فالوقاية أكثر كفاءة من المعالجة، وبناء الإنسان أقل كلفة من إصلاح ما تفسده الجريمة والبطالة والجهل والتهميش.

ولهذا، فإن حماية المدرسة، وصون مكانة المعلم، وتعزيز الجامعة، وتحسين أوضاع الأستاذ الجامعي، وربط مخرجات التعليم باحتياجات الدولة والاقتصاد، ليست مطالب قطاعية أو امتيازات مهنية؛ بل هي قرارات ذات صلة مباشرة بالأمن الوطني والتنمية والاستقرار.

الدولة التي تريد مؤسسات قوية تحتاج إلى تعليم قوي، والدولة التي تريد مجتمعًا آمنًا تحتاج إلى إنسان واعٍ بالقانون، والدولة التي تريد اقتصادًا منتجًا تحتاج إلى جامعة تنتج المعرفة والكفاءة.

التعليم ليس بندًا في الموازنة فحسب؛ بل هو استثمار في مستقبل الدولة وقدرتها على البقاء والتقدم.

وعليه، فإن الاستثمار الحقيقي في أمن الوطن واستقراره لا يبدأ من السلاح والقانون فقط، وإنما يبدأ من الفصل الدراسي ومدرّج الجامعة؛ من بناء إنسان يعرف حقوقه، ويدرك واجباته، ويحترم دولته، ويمتلك القدرة على المشاركة في بنائها.

ونحن نقول:

الدولة التي تريد أن تقلّل من الجريمة غدًا، عليها أن تبني مدرسة وجامعة أفضل اليوم.